التوظيف الإلهي للعادات والتقاليد العربية داخل الرسالة الإرشادية (2-2)
ان ما تميزت به الرسالة الخاتمة عن الرسالات
السابقة هو ثنائية خطابها المجتمعي والثقافي الذي يشمل الانا والاخر بالإضافة إلى
الوعي بالإله المتعلي وكل ذلك داخل مرحلة تاريخية محددة، فقد وقفت الرسالات
السابقة للرسالة المحمدية عند محطة الانا فقط وذلك لان التحولات في تلك الفترة لم
تتعدي المجتمعي إلى الثقافي. فقد كان الوعي بالإنسانية داخل الرسالة الإرشادية
يشمل الوعي بالكل المجتمعي ككل انساني من خلال عودة مجتمع التحولات إلى مجتمعه
وتعميم الترميز السلوكي على الكل المجتمعي بالإضافة إلى الوعي بإنسانية الاخر الذي
كان يتمثل في اليهود والمسيحيين من خلال الترميز السلوكي المتداول في ذلك الوقت
وتعميمه على الاخر الثقافي.
فالرسالات الإسلامية اليهودية والمسيحية هي
رسالات كانت تعمل على نقل تلك المجتمعات إلى مجتمعات ثقافية، وكذلك الرسالات التي
جاءت قبلها كانت تسير مع التحولات من مجتمع عائلي إلى مجتمع عشائري إلى مجتمع قبلي
وهكذا ولذلك كانت عبارة عن رسالات لمجتمع محدد فقط. فقد كانت تعمل تلك الرسالات على
اعادة تلك المجتمعات إلى مجري التحولات التاريخي. ولذلك نجد ان قيمة الرسالة
المحمدية يأتي من خلال تجاوز الرسالة للوعي المجتمعي فقط إلى الوعي المجتمعي
والوعي بالاخر الثقافي أي تعدي الوعي بإنسانية المجتمع الواحد إلى إنسانية الكل
الإنساني الذي يتمثل في الانا والاخر.
والمعني الإنساني داخل المجتمع الثقافي الواحد
يأتي من خلال توحيد الترميز السلوكي ليشمل الكل الجيني المجتمعي بناء على سلوك
مجتمع التحولات، فالإنسانية تأتي من خلال تطابق الوعي الجيني مع الترميز السلوكي
للإنسانية ولكن عند التحولات ونسبة لقصور الاستيعاب يتوقف الترميز السلوكي عند
مرحلة سابقة للكل الجيني، ولذلك كانت تأتي الرسالات لاعادة الوعي السلوكي إلى
مرحلة التحولات التي حدثت للمجتمع.
ان الانتقال من مجتمع إلى اخر إذا كانت مجتمعات أولية
عائلية أو عشائرية أو قبلية أو ثقافية يحتاج إلى نخب لقيادة ذلك التحول بالتوحيد
بين الترميز السلوكي والوعي الجيني لمعني الإنسانية فيجب على الإنسانية ان تشمل كل
المجتمع حتى يعيش الفرد بتوازن بين ذاته الفردية وذاته المجتمعية وقد كانت الرسالات
الإرشادية تتولي ذلك التحول بتوحيد الترميز السلوكي للكل المجتمعي وذلك يؤدي إلى
ارتفاع معني الإنسانية ليشمل الكل المجتمعي، ولكن للاسف لم يواكب الرسالات
الإرشادية وعي نخبوي يستطيع ان يسير مع التحولات ولذلك وقفت الرسالات الإرشادية
عند الترميز المجتمعي إذا كانت اليهودية أو المسيحية أو المحمدية فانقادت نخب تلك
الرسالات للوعي المجتمعي بترميز الرسالات والإله، فاليهودية طابقت بين مجتمعها
والرسالة اما المسيحية ونتيجة لخروجها من مجتمعها الحقيقي فقد سارت مع التحولات
دون قيادة تلك التحولات حتى وصلت إلى ما يسمي ديمقراطية الفرد في فصل تام بين ذات
الفرد الإنسانية وذاته الاجتماعية، اما الرسالة المحمدية فقد اعادت البعد الثقافي
اليهودي داخل الثقافة العربية فاصبحت الرسالة عبارة عن رسالة عربية تاريخية.
فالرسالة الخاتمة وظفت مجتمع التحولات في
الجزيرة العربية وهو المجتمع المكي لتوصيل مفهوم الإنسانية بناء على تلك المرحلة،
وقد وظفت فترة الرسالة الطويلة لتوضيح كل فكرة وابعادها الكلية من الوعي بإنسانية
الكل المجتمعي إلى الوعي بالاختلاف الإنساني مع الاخر أو الإله المتعالي، ولكن كل
ذلك بناء على قيم تلك المرحلة. فتوحيد الترميز السلوكي داخل المجتمع العربي جاء من
اجل الوعي بإنسانية الفرد وليس من اجل الفعل السلوكي الذي يتم تجاوزه مع التحولات،
لذلك تم استخدام قيم الإنسان الجاهلي في المجتمع المكي كما هي للدلالة على الكل
الإنساني العربي إذا كانت في المعاملات أو في العبادات. اما في التعامل مع الاخر
فقد جاء الإرشاد بقيم سلوكية من داخل المجتمع العربي وتم توظيفه للكل حتى يتيح
مساحة للنخب للوعي بالاختلاف (فتوقف الاستيعاب من جانب الوعي السلوكي وخروجه عن
مجري التحولات كان يؤدي إلى ادلجة بعض القيم الإنسانية التي تتحول إلى عقائد لا
يمكن تجاوزها فكانت الرسالة تساعد على ذلك التجاوز ومن ضمنها رفض الآخر) فلا يتحول
الآخر إلى ضد إلا عند تهديده للذات، ولان كل الممارسات الإنسانية هي ممارسة لوعي
محدد فقد كان الهدف هو مخاطبة ذلك الوعي وليس السلوك ولذلك تم رفض العدوان (وَقَاتِلُوا
فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ
لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190)) وحتى إذا ظهرت بوادر الحرب من جانب الاخر يجب
ان يتم تنبيهه بها (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ
إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58)) وحتى اذا
اراد الاخر السلم ولو ظهرت عليه بوادر الانهزام فيجب عندها الركون إلى السلم (وَإِنْ
جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ
اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62)) فليست الغاية
هي ابادة شعب بل الوعي بالاختلاف واتاحة الفرصة للاخر بالوعي به، فالوعي المجتمعي
يتكون من الوعي السلوكي بالإضافة إلى الواقع الماثل، وهو ما ينتج الاختلاف في
الوعي بوجود مجتمعات عايشت واقع مختلف. أي ليست كما يقول عروبي اليوم الذين سوقوا
ثقافتهم من داخل الرسالة الإرشادية ان غايتهم الإلهية هي ابادة الشعب اليهودي،
فالرسالة المحمدية المنتشرة اليوم هي رسالة ثقافية وليست الرسالة الإرشادية والتي
تنبع مركزيتها داخل الصنم السعودي الذي يمرر هويته الثقافية التاريخية إلى الشعوب
الأخرى، فالأزمة التاريخية عدم مواكبة النخب للتحولات وهو ما نجده ظاهرا الان بكل
الوضوح فرغم وعي المجتمعات بالاختلاف والتكامل الإنساني مع الاخر وحاجة المجتمعات
العربية والشبه عربية إليه واللجوء إليه عند الحاجة كما تونس وليبيا والان سوريا
ومن قبلهم العراق وغيره إلا ان الخطاب الفكري لم يتزحزح ليواكب التحولات ولكنه بقي
خطاب تاريخي وللأسف يسوق إلى الآن باعتباره رسالة إلهية.
وحتى في الفعل العقابي الذي تم استيعابه من
القيم الجاهلية (فقبل ان ينزل حد السرقة في القران، قطعت يد السارق في
الجاهلية، وكان الوليد بن المغيرة أول من حكم بقطع يد السارق في الجاهلية)، فتلك
القيم لم تأتي لذاتها ولكن لتوحيد الترميز السلوكي حتى تستطيع النخب ومجتمع
التحولات تحديدا الوعي بإنسانية الكل المجتمعي ولذلك جاءت قيم العفو والفضل وغيرها
لترشد المجتمع إلى معني الإنسانية الذي يتجاوز مجتمع التحولات إلى المجتمع الكلي
فلا يجب ان نعفو عن مجتمع التحولات بمفهوم الاشراف ويتم قطع يد الإنسان العادي
(ولذلك كما ذكرنا سابقا ففي لحظة من لحظات تجليات الوعي بالمغزي الحقيقي للرسالة
قال المصطفي مقولته (لو سرقت فاطمة لقطع محمد يدها)). بل حتى عند تعريف السارق
والزاني وغيرها في الرسالة الإرشادية جاء التعريف بالف لام التعريف أي الذي يعرف
بالسرقة أو كما نقول الان السرقة المرضية. فالانسان لا يخالف المجتمع هواية ولكن
نتيجة لعدم استيعاب المجتمع لذاته ولذلك كانت محاولات المعالجة داخل الرسالات
الارشادية تشمل الفرد والمجتمع.
تعليقات
إرسال تعليق