حول مفهوم الهوية
وقفت نخب دول العالم الثالث وتحديدا الدول التي تنتمي للتيار الإسلامي حائرة في سبيل ابتداع هوية تعبر عن مجتمعاتها الآنية وتستطيع ان تعبر عن مرحلة تاريخية شديدة التعقيد.
وقد تأزم مفهوم الهوية بعد ارتباطه بقيم سلوكية تاريخية داخل ذهنية النخب وهو ما أدي بالبعد بين الهوية والمجتمع وأصبحت الهوية قيمة ثقافية عالمية تتجاوز المجتمع والثقافة إلى الكل الثقافي وذلك يتمظهر بصورة أوضح على مستوى الثقافات الإسلامية العربية واليهودية والغربية.
وبدل ان تلجا النخب إلى تفكيك خطاباتها الذاتية التي تعبر عن مراحل تاريخية معينة انقسمت بين التمسك بذلك الخطاب ومحاولة توسيع مساحة إعادة الاستيعاب أو الارتحال إلى رؤية ثقافية أخرى ومحاولة استيعابها أيضا داخل المجتمعات لذلك كانت المجتمعات الحقيقية غير موجودة على مستوى الفكر النخبوي ولذلك أصبحت النخب مثل الشخص العادي في تعاملها مع الترميز كنهاية تاريخية أو رفض لتلك المجتمعات ومحاولة تبني رؤية أخرى فيصبح النخبوى بعيدا عن مجتمعه وغير ذا تأثير.
ونسبة لتأثير الرؤى الغربية والعربية على الواقع السوداني فلابد من تفكيك تلك الخطابات للوعي بالتأثير الثقافي على الخطاب العلماني أو الإسلامي وذلك حتى يتثنى لنا تجاوز تلك الخطابات إلى خطاب ثقافي سودني.
أولا: ماهية الهوية:
الهوية هي رؤية الذات من خلال مجتمعها الحقيقي لذلك كل ما ازداد تجانس ذلك المجتمع امتلك أفراده هوية تتجسد كقيم سلوكية تمكن الفرد من التواصل مع الأخر الاجتماعي بالإضافة إلى تعريف الأخر الثقافي.
إذن القيم عبارة عن تجسيد سلوكي لإنسانية الفرد وتكون هنالك كلية قيمية بناء على رؤية الذات المجتمعية تشمل الفرد من بداية حياته إلى نهايتها من خلال مجتمعه الحقيقي.
اذن ما أدي إلى رؤية المجتمعات كمجتمعات نمطية هو حصرها داخل إطار قيمي محدد فنصف ذلك المجتمع بالمكرر لذاته أو المحافظ.
فالقيم اذن توظف من قبل الفرد لتأكيد ذاته الاجتماعية مع الوعي بإعادة الاستيعاب التي يعملها الفرد لتلك القيمة بناء على الكل القيمي وهكذا تتحور القيم ويعاد استيعابها إلى ان تصل مرحلة لا تستوعب إنسانية الفرد فتسقط القيمة وتحل محلها قيمة أخرى ذلك ما كان يحدث تاريخيا، ولكن بعد مراحل التدوين الثقافات والذي أدي إلى اعتماد القيم كهوية ثقافية مما أدي إلى ان عند سقوط القيمة الإنسانية تتحور إلى قيمة مادية وبالتالي أدي إلى اغتراب الذات عن هويتها الاجتماعية أو الذات الاجتماعية.
فعند تثبيت التحولات الاجتماعية عند مرحلة تاريخية ما تكون كلية القيم هو ما يتجسد على مستوى ذلك المجتمع الحقيقي والذي يشمل الديني والسياسي والاجتماعي ... الخ ومن هنا ينشا تعريف الذات بأنها تلك القيم التي تلبي حاجة الذات الاجتماعية للفرد ولكن هذا فقط إذا تم تثبيت التحولات الاجتماعية ولكن لان التحولات مستمرة على مستوى التاريخ فيكون ذلك التعريف هو تعريف إجرائي تاريخي لمجتمع ما في ظرف تحولات محددة. وهذا التعريف هو ما تواطأت عليه المجتمعات والأفراد العاديين وذلك بترميز فترتهم التاريخية بناء على ذلك التحول وإضافة كل فرد من خلال الممارسة السلوكية لكلية القيم ومع استمرار التحولات تتغير المجتمعات فيتغير الترميز وبالتالي تعريف المجتمعات لذاتها أو الهوية، وهو عكس ما قامت به النخب تاريخيا فقد صاغت مرحلة تاريخية ما على انها مرحلة الكمال القيمي وعلى النخب التي تأتي بعدها ان تعتمد تلك الرؤية ولذلك سارت المجتمعات في تحولاتها الاجتماعية بينما وقفت النخب ذات التدوين عند مرحلة تاريخية محددة.
على مستوى التدوين الغربي نجد ان النخب قد أفرغت الذات الاجتماعية من معناها الإنساني وأصبحت تصف المجتمعات الحقيقية التاريخية بالنمطية والقهر والتسلط .. الخ ودعت إلى الفردية بعيدا عن قيمها التجسيدية وثم تدوين القيم الثقافية الغربية بناء على العلوم الطبيعية وذلك باستخدام مفاهيم ثقافية تخص الثقافة الغربية ورؤيتها الفردية باعتبارها رؤية نخبوية عالمية تتجاوز ثقافتها للكل الثقافي، فنجد استخدام مفاهيم مثل العقل والمنطق والديمقراطية وعلوم الإنسان تستخدم ليس بمفهومها الثقافي التاريخي ولكن باعتبارها تعني الكل الثقافي. وعند إعادة استيعاب تلك المفاهيم من جانب الثقافية الأخرى وذلك بأخذ جزء من تلك القيم كما هي وتطبيقها على الثقافات الأخرى تنسي تلك النخب ان تلك القيم عبارة عن جزء داخل كلية وهي تحيل بعضها إلى بعض لذلك تتأزم مجتمعات دول العالم الثالث. ونجد ان المجتمع السوداني قد تأزم أكثر نتيجة لاحتوائه على تلك الثنائية ما بين الثقافة الغربية والثقافة العربية فكان هو محور للتجريب النخبوي ما بين هذا وذلك دون الوصول إلى هوية محددة من كل ذلك إلى الآن.
تاريخيا ما قبل التدوين لم يمثل ضغط التحولات خطرا يهدد بزوال الكل الإنساني وذلك لان الترميز هو ترميز مرحلي ينتمي إلى البيئة والمجتمع ومع تغير المجتمع أو البيئة يعاد الترميز من جديد بناء على كلية القيم التي تتحول إلى تصل إلى مرحلة تاريخية تكون تلك الكلية تعني قيم أخرى. فالمجتمعات ومن خلال التحولات تستطيع ان تري ما يلائمها من قيم وما لا يلائمها بناء على اثر القيمة داخل كلية القيم ولكن ما يمثل أزمة بالنسبة للتحولات هي النخب ومراحل التدوين الثقافية فقد عملت النخب على ترميز مراحل تاريخية محددة ككلية قيمية ولذلك مع التحولات التاريخية تفرض تلك النخب على المجتمعات قيم لا تمت إلى الواقع أو إلى الكلية التي تحولت بصلة ولان النخب تعيش داخل قيمها المفاهيمية فهي لا تعتمد على رؤية فائدة القيمة على مستوى الكل القيمي ولكنها تسعي إلى فرضها فقط.
وتعتبر رؤية التحولات الاجتماعية عبارة عن منهج تاريخي للتحليل الإنساني ما بين ثنائية الذات الاجتماعية كوعي والذات الفردية كسلوك من خلال الفرد وبين ثلاثية الطبيعة والمجتمع والإله كاستيعاب قيمي ينقسم ما بين قيم مجتمعية تتحول بناء على التحولات الاجتماعية الذي يخضع لضغط التحولات الطبيعي كالبراكين والأعاصير والمجاعات وغيره التي تفرض على المجتمعات ان تعيد صياغة قيمها ولكنها ليست ذات تأثير على الكل القيمي، وبين ضغط تحولات ثقافي يتم بناء على رؤية النخب على مستوى الثقافات ذات التدوين وهو رؤية الطبيعي والمجتمع والإلهي على مستوى الذات الفردية والذات المجتمعية. وقد أخذت النخب الغربية الطبيعي والذات الفردية وتم تجسيد رؤية كلية حول ذلك اما النخب العربية فقد أخذت الذات المجتمعية والإلهي وتم بناء رؤية كلية إنسانية وكل ذلك بناء على القيم التاريخية.
لذلك يظل سؤال الهوية مشرعا ما بين الديني والطبيعي مادامت النخب تصر ان ترمز المجتمعات بناء على قيم تاريخية مشرعة على التحولات من قبل المجتمعات، فلا رؤية ديمقراطية الفرد ولا استيعاب الرسالة الإسلامية على اسس عربية يمكن ان توقف حركة التحولات الاجتماعية على مستوى الثقافة السودانية، فعلي النخب ان تتحرك في اتجاه مجتمعاتها الحقيقية من اجل ان تستوعب ذلك المجتمع كما هو ثم الوعي بالمدلول الثقافي للتدوين العربي والغربي حتى تستطيع ان تعمل على تدوين سوداني يحمل مضامين الهوية في داخله ما بين الذات الفردية كسلوك والذات المجتمعية كوعي على المستوى الفردي وما بين الطبيعة والمجتمع والإله، حتى لا يتم رفض الأخر بل اعتباره آخر مختلف ولا يتم ذلك إلا باستيعاب مراحل التدوين التي مرت على تلك الثقافات والقصور الذي صاحبها في عدم اشتمال الرؤية التدوينية لتلك النخب على تعريف المجتمعات الحقيقية لذاتها وعلى تعريف الإله لذاته بعيدا عن استيعاب تاريخي مرحلي لا يخدم سوي إعاقة المجتمعات عن الوعي بالآخر الثقافي كاخر إنساني.
تعليقات
إرسال تعليق