الارشاد في الرسالات الالهية - دراسة للرسالة المحمدية (9) بعنوان الإيمان



مفهوم الإسلام في الفكر العربي:
ان لفظ مسلم يطلق على من شهد شهادة ان لا اله إلا الله وان محمدا رسول الله وأقام الصلاة واتي الزكاة وصام رمضان وحج البيت إلى من استطاع إليه سبيلا، بالإضافة إلى ذلك يجب معرفة الحلال والحرام التي كانت تقول بها المجتمعات العربية حتى قبل الرسالة وإتباعها، وكذلك القول بان كل البشر ماعدا المسلمين هم كفار وما يترتب على لفظ كفار ذلك، وتطول القائمة إلى ان نتعمق داخل قاع المجتمعات العربية لنجد الزى والمصافحة والعلاقات الاجتماعية التي كانت في الجاهلية واستمرت بعد الإسلام وعلى المسلم إتباعها، ونجد أيضا ان خير الأسماء ما حمد وعبد.
فإذا كان من أراد ان يدخل الإسلام فرد لا علاقة له بالمجتمع العربي وتاريخه سيجد نفسه بعيدا جدا عن مجتمعه بل وعن ذاته التي يكون شوهها ذلك الفكر بمحاولة ضمه إلى المجتمع العربي وليس إلى المجتمع المسلم.
مفهوم الإسلام في الإرشاد:
جاء مفهوم الإسلام كمعني كلي للإرشاد الإلهي الذي جاء للبشرية على مر العصور. فكل الرسالات الإرشادية هي رسالات إسلامية بهذا المعني، واختلفت في أدوات الرسالة وليس في معني الرسالة نتيجة لاختلاف المجتمعات عن بعضها البعض وكذلك اختلاف المجتمع الواحد من مرحلة إلى أخرى. وتمثل ذلك الاختلاف في الأدوات التي استخدمها الإرشاد لتوصيل الرسالة من لغة وقيم اجتماعية وكذلك اختلفت الرسالات داخل المجتمع الواحد نتيجة لاختلاف القيم الاجتماعية من زمن إلى الأخر. فلفظ مسلم كما هو معلوم أطلقه الخليل إبراهيم على من يعبد الإله الواحد ويترك عبادة الأصنام. ولكن كما انحرفت المجتمعات اليهودية والمسيحية بعيدا عن إدراك رسالاتها انحرف كذلك المجتمع العربي والمجتمعات التي تابعته عن إدراك معني الإله المتعالي وعن مغزى الإرشاد الإلهي.
فمعني الإرشاد تركز حول الإله المتعالي وحول تعريف الإنسانية بالنسبة للكل المجتمعي وفي مراحل أخرى تعريف مفهوم الآخر الإنساني بالإضافة إلى علاقة الإنسان بالطبيعة، فهذا هو جوهر الإرشاد الذي سعت له الرسالات الكثيرة التي أتت من الإله وماعدا ذلك عبارة عن أدوات اجتماعية إنسانية تم استخدامها من اجل توضيح معني الرسالة.
ورغم الرسالات الكثيرة التي أرسها الإله من اجل إرشاد الإنسانية إلا انها وقفت عاجزة عن استيعاب ذلك المعني نتيجة لتحجر الوعي الإنساني الذي إصر على التمسك بوعيه القاصر عن إدراك الحياة ولم يرفض الرسالات ولكنه أعاد استيعابها بناء على ذلك الوعي القاصر. فقد أبدل ذلك الوعي جوهر الرسالة بمظهرها، وهو القول بان أدوات الرسالة هي الرسالة دون التفطن بجوهر الرسالة وغايتها. واستبدلت المجتمعات أدوات الرسالة المتمثلة في اللغة والقيم التاريخية والبقعة الجغرافية واعتبرته هو جوهر الرسالة ولم تمنح جوهر الرسالة الحقيقي ادني اهتمام.
لم تختلف الرسالة المحمدية الخاتمة في طريقة استيعابها من قبل المجتمعات العربية عن الرسالات السابقة، فبدا القول ان أدوات الرسالة هي غايتها وان إتباع القيم السلوكية الوارد ذكرها في الرسالة يحول المجتمعات إلى مسلمة دون الحاجة إلى انتقال الوعي من مرحلة إلى أخرى، ولكن عندما رأي الإرشاد ذلك المزج من قبل وعي المجتمعات للرسالة والذي تكرر كثيرا ويفرغ الرسالة من جوهرها الحقيقي، أتي الإرشاد بلفظ الإيمان ليؤكد ان جوهر الرسالة هو انتقال للوعي وليس البحث عن قيم الخلاص (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ... (14))[1].
مفهوم الآخر في الإرشاد:
ان الإنسانية تشمل الفرد ومجتمعه إذا كان أسرى أو عشائري أو قبلي أو ثقافي وتشمل كذلك كل المجتمعات الأخرى، وسعي الإرشاد الإلهي في الرسالة المحمدية لتوضيح إنسانية الكل رغم الاختلاف وترسيخ مفهوم الآخر الإنساني المختلف (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13))[2]، واخذ المسيحية واليهودية كمجتمعات مختلفة وضرب بها الامثلة على التعايش رغم الاختلاف (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46))[3]، ودل على انهم ليسوا سواء فيجب التفريق عند تتعامل معهم (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75))[4].
فيجب ان يتم التعامل مع الآخر باعتباره آخر إنساني ولا يتحول الآخر إلى ضد إلا عند تهديده للذات، فجاء الإرشاد منذ البداية برفض العدوان (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190)[5])، وحتى إذا ظهرت بوادر الحرب من جانب الآخر يجب ان يتم تنبيهه بها (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58)[6]). وإذا أراد الآخر السلم ولو ظهرت عليه بوادر الهزيمة فيجب عندها الركون إلى السلم (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62)[7]). فليست الغاية هي الإبادة او الفوز بالحرب بل الوعي بالاختلاف وإتاحة الفرصة للآخر للوعي به.
مفهوم علماء الدين:
ان مفهوم علماء الدين هو تحوير لمفهوم النخب والذي هو عبارة عن ظاهرة تنتجها المجتمعات في سبيل استيعاب التحولات والاختلاف الإنساني، ونتيجة لتدوين الدين داخل طقوس سلوكية وقيم خلاص إنساني أصبح علماء الدين في كل المجتمعات يقيسون واقعهم وفق تلك القيم والطقوس وبالتالي محاولة إنتاج الواقع وفق قيم تاريخية سابقة للتحولات الاجتماعية.
المشيئة الإلهية في الذهنية الاجتماعية:
يقوم مفهوم الإله داخل الذهنية الاجتماعية باعتبار الإله الفاعل الذي يمثل الوسيط بين الشيء والفعل إذا كان ذلك الشيء إنسان أم حيوان أو طبيعة، فالمقدرة الحقيقية والوحيدة هي المقدرة الإلهية ولا توجد مقدرة أخرى، اذا كان من خلال ما يعرف بالإله الوسيط الذي هو ليس اله ولكنه يمتلك جزء من المقدرة الإلهية أو الفعل الإلهي المباشر في الحياة.
القدرة الإلهية في الرسالات الإرشادية:
لقد حاول الإله من الرسالة الإرشادية الأولى إلى الرسالة الخاتمة ان يوصل للإنسانية مفهوم الإله المتعالي حتى يتم استيعاب الفرق بين الفعل الإلهي والفعل الإنساني، فقد جعل الله الإنسان خليفة في الأرض أي سيد يمتلك من المقدرات الذهنية والفعلية ما يجعله يستوعب معني حياته ويمارس ذلك المعني من خلال طقوس سلوكية، فالإنسان يمكنه استيعاب التكامل الإنساني والطبيعي وذلك بتلمس الوسائل والأسباب، اما الفعل الإلهي فهو فعل لا يخضع لتلك الجزئية فهو يذهب بمقدرته إلى الفعل مباشرتا (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82)[8]).
فالإله لم يترك الحياة على سجيتها كما يقول القدريين أو لا وجود للإله كما يفترض الطبيعيين، وكذلك الإله لم يصادر كل الفعل لصالحه كما يقول متبعي الرسالات ومنهم أتباع الفكر العربي (المسلمين) الذي يعتمدون على المشيئة الإلهية حتى في فعلهم الذاتي. ولكن الإله جعل الحياة خالصة للإنسانية ولكن بعد مدها بأسباب الاستيعاب والقدرة الذاتية على الفعل وإمكانية تكامل الفعل الإنساني الفردي مع الفعل المجتمعي والطبيعة، فإذا تكامل ذلك الاستيعاب مع الفعل يستطيع الفرد أو المجتمع ان يعي مغزى الحياة الإنسانية الكلية.
فعلينا ان نتجاوز الوعي المجتمعي السائد والمدون ونحاول قراءة الرسالات الإلهية ومن ضمنها الرسالة المحمدية كرسالات إرشادية تتجاوز القيم اللحظية الناتجة من التحولات الاجتماعية إلى رؤية كلية تجد ذاتها عند كل مجتمع وتستوعب كل القيم المجتمعية. فقد افترضت النخب العربية أمور بعيدة تماما عن إمكانية استيعاب الإله المتعالي الذي لا يظلم ولا يظلم، فكيف اذا لذلك الإله ان يفرض على بعض البشر الإيمان قبل ان يولدوا وعلى آخرين الكفر من قبل ذلك كما افترضت النخب العربية عند تفسيرها للرسالة المحمدية نتيجة لقراءة الرسالة من داخل الوعي المجتمعي، نلاحظ ذلك مثلا في تفسير الطبري للآية (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين). قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : إن الذين يكذبونك من هؤلاء الكفار ، يا محمد ، فيحزنك تكذيبهم إياك ، لو أشاء أن أجمعهم على استقامة من الدِّين ، وصوابٍ من محجة الإسلام ، حتى تكون كلمة جميعكم واحدة ، وملتكم وملتهم واحدة ، لجمعتهم على ذلك ، ولم يكن بعيدًا عليَّ ، لأنّي القادرُ على ذلك بلطفي ، ولكني لم أفعل ذلك لسابق علمي في خلقي ، ونافذ قضائي فيهم ، من قبل أن أخلقهم وأصوِّر أجسامهم " فلا تكونن " ، يا محمد ، " من الجاهلين "). فالآية تم استيعابها بعكس ما أريد لها وهي أرادت ان الإله لو أراد  صياغة كل الناس على أسس محددة لفعل ولكن ترك البشر ليختاروا شكل حياتهم من خلال وعيهم ونظرتهم للحياة عموما ومحاولة قياس وعيهم بما هو موجود في الحياة، وغرض الرسول هو تبليغ الإرشاد وليس فرض الإرشاد فالإله لو أراد ذلك الفرض لما احتاج إلى الرسل. وهو ما ذكرناه سابقا بان الوعي المجتمعي يعمل على إعطاء القدرة الإلهية إلى الإله الوسيط إذا كان في المجتمعات الأولى يتمثل في الطبيعة أو الحيوان أو في مجتمعات الرسالة التي حولت تلك القدرة إلى الرسل، ولان الرسالة خاتمة فقد كان التوضيح بشكل فعلي عندما احتبس الوحي ليس تأديب فقط ولكنه حجة وتأكيد لكل من يسعي إلى الاستيعاب (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165)[9]). فكانت تلك الآية تأكيد فعلي على بشرية الرسول وبأنه لا يمتلك من أمر الرسالة غير محاولة استيعابها كما بقية البشر. فالرسل ليس لهم صلة مباشرة بالإله وكذلك هم ليسوا بوسائط إلهية تمتلك قدرة وفعل يفوق البشرية، فحدد الإرشاد في الرسالة الخاتمة مهمة الرسول وهي ان الأمور المتعلقة بالإله يجب ان لا يقطع فيها برأي وينتظر فقط كما غيره.
ولقد حاولت النخب العربية تطويع الرسالة الإرشادية الإلهية وفق الوعي المجتمعي وسعت إلى ذلك من داخل الرسالة عندما لجأت إلى تفسير الرسالة بناء على الوعي المجتمعي واللحظة التاريخية والقيم المادية والسلوكية للمجتمعات في ذلك التاريخ (راجع التفاسير).
الإيمان بديلا للإسلام:
ان ما يسمي بالإسلام أو الفكر العربي الإسلامي بدا في الانغلاق منذ بداية الرسالة إلى ان انتهي بما نراه اليوم، فما يحدث اليوم يرجع بالأساس إلى إعادة استيعاب الرسالة بناء على الوعي الاجتماعي وليس محاولة لاستيعاب الإرشاد الإلهي، فاخرج الفكر العربي الرسالة من دورها التاريخي والذي تمثل في تعريف المجتمعات بنفسها وتقريبها  من بعضها البعض، فحول الفكر العربي الإسلامي المجتمعات التي تسمي إسلامية إلى مجتمعات ترفض التكامل الداخلي وتتحارب مع التواصل الإنساني. فما يسمي بالمسلم هو إنسان منغلق على نفسه وطقوسه السلوكية التاريخية التي تخصم من التكامل الإنساني أكثر من ان تضيف إليه، وأصبح ذلك الفكر عائقا داخل الحياة ويسعي فقط إلى هدمها وليس أعمارها، فهو يرفض الاعتراف بان هنالك مؤمنين غيره ويرفض ان تكون هنالك قيم إنسانية غير القيم التي يؤمن بها فقط، ويرفض حتى الاختلاف بين المجتمعات التي تسمي مسلمة، فهو يرى ضرورة ان تكون تلك المجتمعات متوحدة السلوك متوحدة اللغة، وملتصقة بتاريخ المجتمعات العربية ما قبل الرسالة.
فهي دعوة للتحول إلى الإيمان الذي هو اعتراف بكل الرسالات الإرشادية وكمالها وخصوصية مجتمعاتها، والإرشاد هو معاني قبل ان يكون طقوس سلوكية ولذلك يمكن ان تتجسد تلك المعاني بأشكال مختلفة وان تكون كاملة مع ذلك، الاعتراف بكل المجتمعات الأخرى وإنسانيتها الكاملة دون ان تتغير شكلا، وكل قيمها وطقوسها السلوكية هي قيم كاملة إذا كانت فقط تحقق لها التكامل الإنساني داخل مجتمعاتها.


[1] سورة الحجرات، الآية 14.
[2] سورة الحجرات، الآية 13.
[3] سورة العنكبوت، الآية 46.
[4] سورة آل عمران، الآية 75.
[5] سورة البقرة، الآية 190.
[6] سورة الأنفال، الآية 58.
[7] سورة الأنفال الآيات 61 – 62.
[8] سورة يس الآية 82.
[9] سورة النساء الآية 165.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الارشاد في الرسالات الالهية - دراسة للرسالة المحمدية (6) بعنوان المصحف العثماني

الارشاد في الرسالات الالهية - دراسة للرسالة المحمدية (5) بعنوان الرسل