الارشاد في الرسالات الالهية - دراسة للرسالة المحمدية (8) بعنوان الشريعة الاسلامية



من الشرع الإلهي إلى الشريعة العربية:
حملت الرسالة المحمدية كما ذكرنا قيم مجتمع التحولات المكي أو قيم نخبه، فتلك القيم قد خص بها مجتمع العربي باعتبارها تستوعب لحظة التحولات الاجتماعية تلك، اما المجتمع العربي في لحظة تحولات أخرى أو المجتمعات الأخرى غير العربية فهي تستفيد من الإرشاد الوارد في الرسالة وليس القيم، أي لا يوجد ما يسمي بالشريعة الإسلامية التي تعني قيم إلهية منزلة من السماء، فالقيم داخل الرسالة المحمدية هي من القيم المعروفة لدي المجتمع المكي وتم استيعابها لتلك المرحلة التاريخية، ولكن تماهي النخب العربية مع الإدراك المجتمعي للرسالة عند إصرارها على تدوين استيعاب المجتمع وعدم استيعاب الإرشاد الإلهي، فحولت القيم العربية إلى قيم إلهية نتيجة لذلك التدوين.
وبما ان الإنسانية في حالة تحولات مستمرة فقد سعي الإرشاد الإلهي إلى ضمان استمرارية التحولات في اتجاهها الصحيح، فقد استمر مجيء الرسالات طوال التاريخ الإنساني فكل مرحلة تقف فيها التحولات نتيجة للترميز المجتمعي والتدوين النخبوي كانت تأتي الرسالات لإعادة التحولات إلى مجراها. وكان الاختلاف بين رسالة وأخرى داخل المجتمع الواحد يأتي من اختلاف ذلك المجتمع من مرحلة إلى أخرى.
مفهوم الحدود:
هنالك جدل عن هل ما يقوله الفكر العربي هي الحدود الإلهية (يقوم النظام الجزائي (الجنائي) الإسلامي على حالات جزائية ثلاث: الحدود والتعزير والقصاص، والحدود في القران هي أمر الله بشيء أو نهيه عنه. وجزاء الخروج عليه عذاب في الآخرة (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ) سورة النساء 4: 14، غير ان لفظ الحد اكتسب معني آخر - في الاصطلاح الفقهي – فأصبح يعني العقوبة التي يقدرها الشارع على فعل اعتبره إثما)[1].
ولكن لنسير مع الفكر العربي ونحاول معرفة هل تلك الحدود جاءت مع الرسالات أم كانت موجودة ما قبل الرسالة.
في حد السرقة (فقبل ان ينزل حد السرقة في القران، قطعت يد السارق في الجاهلية)[2].
وكذلك حد الحرابة ([إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33)[3])، ونجد في التفاسير (سبب نزول هذه الآية ان النبي كان قد قطع أيدي وأرجل أشخاص قتلوا راعيه وسرقوا ماشيته ثم سمل أعينهم بالنار)[4]. فنزول الآية بعد الفعل كما في التفسير يؤكد ان تلك القيمة كانت معروفة عند المجتمعات العربية قبل الرسالة.
وكذلك النفي ففي كتاب الحزب الهاشمي وتأسيس الدولة الإسلامية نجد (فقضي الكاهن بنفي امية بن عبد شمس عشر سنوات إلى منفي اختياري).
وغيرها من قيم الزواج والطلاق التي في الفكر العربي الإسلامي هي قيم موجودة ما قبل الرسالة (الزواج عند العرب – في الجاهلية والإسلام (دراسة مقارنة)، تأليف: د. عبد السلام الترمانيني) وكذلك الميراث هو من القيم التي كانت موجودة داخل المجتمعات ولكن ليس للكل المجتمعي، فكانت المجتمعات في مرحلة التحولات العشائرية والقبلية ولذلك كانت تلك القيم والايجابي منها يطبق داخل مجتمعات محدودة دون استيعاب لبقية المجتمعات اما السلبي فيكون هو الشائع.
فمفهوم الإسلام القادم من الرؤية العربية يبدأ من القانون في الزواج أو الميراث أو الحدود وغيرها وينتهي إلى الهوية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51)[5]) باعتبار ان المسلمين يمثلون امة اجتماعية في مقابل الآخر الضد، وهو استبدال لمفهوم الرسالة الإرشادية التي تدعو إلى استيعاب الوحدة الاجتماعية (وليست الدينية) والاختلاف الإنساني. فكل من يقول أنا مسلم يؤمن بدرجة ما بكل تلك القيم التي يقول بها الفكر العربي ويخرج بها الرسالة من مغزاها الحقيقي.


[1] جوهر الإسلام، محمد سعيد عشماوي، ص 41
[2] أصول الشريعة، محمد سعيد عشماوي، ص 84.
[3] سورة المائدة الآية 33.
[4] تفسير الطبري، تفسير الآية 33 من سورة المائدة.
[5] سورة المائدة الآية 51.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الارشاد في الرسالات الالهية - دراسة للرسالة المحمدية (9) بعنوان الإيمان

الارشاد في الرسالات الالهية - دراسة للرسالة المحمدية (6) بعنوان المصحف العثماني

الارشاد في الرسالات الالهية - دراسة للرسالة المحمدية (5) بعنوان الرسل