الارشاد في الرسالات الالهية - دراسة للرسالة المحمدية (4) بعنوان الشرك



ماهية الشرك:
الشرك هو أن تعتقد إن الشيء كامل في ذاته ولا يحتاج إلى أن يتكامل مع غيره، فان تقول ان إنسان ما كامل لا يحتاج إلى غيره، أو ان قيمة سلوكية ما كاملة في ذاتها او دائمة هذا هو الشرك، ولاستيعاب مفهوم الشرك أكثر وماهيته يجب ان نري معني الإله داخل الذهنية الإنسانية، نجد ان المجتمعات الأولية عند قصورها في استيعاب مغزى الحياة الإنسانية ومعني الاختلاف لجأت إلى مفهوم الإله الفاعل والوسيط الإلهي لتكمل به رؤيتها عن ذاتها. ولعدم إمكانية تواجد الإله أو إيجاد تصور مادي محدد له داخل الحياة، لجأت تلك المجتمعات إلى الشرك وهو يتمثل في وجود الوسيط الإلهي الذي يمتلك خاصية النقاء الإلهي وكل ذلك من اجل تأكيد وعيها المجتمعي الذي يقوم على تعريفها للذات الكلية (الأنا) في مقابل الآخر الضد. ولم يختلف الإله البديل أو الوسيط الإلهي عند المجتمعات في قيمته في النقاء والكمال ولكن اختلف في شكله فقط، فكل الإنسانية اعتمدت على قيمة ما باعتبارها تماثل قيمة الإله أو تتجاوزه في بعض الأحيان عند الوسيط الإلهي (وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (30))[1].
ان وصف إنسان أو أي قيمة إنسانية أو طبيعية بالكمال الإلهي أو إشراكه مع الله يعتبر شرك بالإله ويكون ذلك باعتبارها موازية للكمال الإلهي أي باعتبارها اله عندها القدرة على الفعل الإلهي (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91)[2])، أو اعتبار ان بعض القيم قادمة من السماء ولذلك هي دائمة ونقية وكاملة كما هو الله يعتبر أيضا شرك، أو إعطاء قيمة ما صفة الكمال الإلهي باعتبارها وسيط الهي تعبر عن الإله داخل الحياة أيضا يعتبر ذلك شرك(قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27)[3]).
وقد بدا الشرك مع الإنسانية منذ المجتمعات الأولى التي رأت التغيرات في الطبيعة فاعتبروا ان تلك التغيرات ترجع إلى امتلاك الطبيعة لقوة خاصة، فتم عبادة الشمس والأنهار والشجر والحيوان باعتبارها تمتلك قدرات خاصة ولم تستوعب تلك المجتمعات قوانين الطبيعة أو التكامل بين الفعل الإنساني والفعل الطبيعي. ومع التحولات بدا استيعاب قوانين الطبيعة وظهرت الرسالات الإرشادية وظهر الإنسان النخبوي المتقدم على الإنسان العادي، عند ذلك المرحلة بدأت عبادة الإنسان، دون إدراك ان قدرة الإنسان النخبوي على استقراء الواقع والمستقبل واختيار أفضل الحلول نتجت من داخل الحياة ولم تأتي من خارجها، وان ذلك الاستقراء مرتبط بمرحلة ذلك الشخص فقط فلا يستطيع ان يعلم بما تحمله التحولات من اختلاف.
الشرك في الرسالات الإلهية:
أصبحت القيم المجتمعية إذا كانت في العبادات أو المعاملات والرسل عبارة عن وسيط الهي تمتاز بخاصية النقاء والكمال، فكل تلك القيم عبارة عن قيم خلاص الهي للإنسانية تفيد الإنسانية في كل زمان ومكان، اما الرسل فأصبح كل فعلهم وكل قولهم عبارة عن فعل وقول الهي يجب ان يتبع. ومن هنا جاء الشرك عندما تقيدت المجتمعات بقيم اجتماعية محددة وبقول وأفعال أناس ولو كانوا رسل ولكنهم في الأخر بشر فعلهم يخضع لزمان ومكان محددين أي يخضع لمرحلة زمنية محددة وفرض على كل مجتمع يأتي بعد مجتمع الرسالة ان يري الحياة من خلال تلك الرؤية، وعندما يسال الشخص عن ذلك لا يحاول الاستيعاب ولكنه يذكر (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22))[4]. فتلك الرؤية هي الحقيقة عند الكل ومن أراد الحقيقة فعليه إتباع ذلك الأثر.
ولان الحياة تتغير في قيمها والمجتمعات تتغير وتتبدل وتحاول تلك المجتمعات ان تجد ذاتها داخل ما يسمي بالرسالة فلا تجد لها اثر لذلك لجأت إلى اختراع مسمي الكهنة او القسيسين أو علماء الدين حتى يعيدوا صياغة الواقع وفق الرسالة التي انشاتها تلك المجتمعات وليست الرسالة الإرشادية التي جاءت من الإله. ولقد أبدع ما يسمي بعلماء الدين فيما خطته لهم المجتمعات في الحديث عن القيم السلوكية كقيم كاملة وليست مكملة لبعضها البعض فنجد تفننهم في الحديث عن الصلاة أو الصيام أو الزكاة أو الحلال أو الحرام في تفاصيلها وليس في علاقتها الكلية بالحياة الإنسانية. وكذلك اعتبار القيمة التي اتبعها المجتمع المعني هي القيمة الإلهية المقصودة إذا كان في الصلاة أو الصيام أو غيره من القيم. وتغير شكل الشرك من الإله الكامل الذي كان يتمثل في الطبيعة أو غيره عند المجتمعات الأولى إلى الوسيط الإلهي والذي تمثل في الرسل وكذلك داخل القيم المجتمعية من العادات والعبادات وبالتالي أفرغت الرسالات من دورها الأساسي الذي جاءت من اجله.
الشرك عند اليهود:
ان الاستيعاب المجتمعي الذي اسقط على الرسالة اليهودية هو الذي قادها إلى تأكيد تعريف التميز اليهودي عن بقية المجتمعات، فتم إخراج تلك الرسالة من مغزاها الحقيقي وهو تأكيد مبدأ الاختلاف الإنساني وأكدت المفهوم البدائي للإنسانية بين الأنا والآخر الضد، فكل ما هو يهودي هو كامل وكل ما هو غير يهودي هو ليس بكامل حتى عند الإله وفق الرؤية التي صيغت بها الرسالة اليهودية بعد الاستيعاب (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ... (18))[5]، وانسحب التميز الاجتماعي بين اليهود وغيرهم إلى تميز بين المجتمعات اليهودية فيما بينها والتي أصبحت تفرق في تعاملها فيما بينها رغم وجود الإرشاد.
كل ذلك قاد المجتمع اليهودي إلى العزلة التي يعيش فيها إلى الآن نتيجة للقصور المجتمعي وبعد النخب عن استيعاب مغزى الحياة الإنسانية ومكان الآخر الإنساني بعيدا عن مفهوم الآخر الضد. وكذلك ادخل ذلك الوعي التصنيف القائم على القيم العشائرية بافتراض التراتبية الإنسانية التي تقوم على العرق وبالتالي عدم توحيد الترميز السلوكي بالنسبة للكل المجتمعي.
وجاء التصحيح ليوضح خطا كل ذلك الوعي ورده إلى أصله كوعي مجتمعي متمكن داخل المجتمعات ومتحرك معها في تحولاتها الاجتماعية (قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (74))[6]، فكل المجتمعات ترى فيما وجدته الثابت وترى في الرسالات الإرشادية دعوة للانحراف عن معتقداتها ومعتقدات آبائها. فلم يكن ذلك غريبا ولكن ان تقول ان قيمها التاريخية وما وجدت عليه الآباء من وعي هو جزء من الإرشاد الإلهي ذلك ما رفضته الرسالات.
الشرك عند المسيحيين:
لظروف الرسالة المسيحية باعتبارها رسالة تصحيحية فقط للرسالة الموسوية ولذلك نجدها لم تحتوى على قيم بمفهوم القيم الإلهية أو قيم الخلاص الإنساني التي تفترضها المجتمعات، فهي قد جاءت فقط بنصائح للإنسانية، ولذلك لم يتعدي الشرك في الرسالة للمسيح، أو المسيح وأمه مريم.
ولكن ذلك ترك مساحة كبيرة داخل المجتمعات بعيدة عن إدراك القيم الاجتماعية السالبة والايجابية وتحديدا مع اختلاف المجتمعات، مما أعطي القسيسين دور بارز في التاريخ المسيحي باعتبارهم بديل للوسيط الإلهي الأول وهو الرسول. فكان الشرك عند المسيحيين يدور حول مكانة المسيح وحول دور القسيسين في المجتمعات.
وجاء التصحيح الإلهي في الرسالة المحمدية بالنسبة للرسالة المسيحية ليوضح بان كل ما تقوله المجتمعات المسيحية عن المسيح ومريم عبارة عن شرك، فالمسيح هو بشر لا يختلف في جوهره عن الأفراد الآخرين (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59))[7].
الشرك في الفكر العربي (الإسلامي):
تم إدراك الرسالة المحمدية وتدوينها من جانب النخب العربية بناء على الوعي المجتمعي وليس استيعاب للإرشاد الإلهي، ولذلك نجد كل الشرك الذي حذر منه الله أصحاب الرسالات السابقة حاضرا فيما يسمي بالرسالة الإسلامية. فقالت تلك الرؤية بالإله الفاعل داخل الحياة الإنسانية وكذلك بالرسالة القيمية وقيم الخلاص الإنساني، وقالت بالوسيط الإلهي الذي تمثل في الرسول كامتداد للإله في فعله وقوله، وقالت كذلك بمجتمع الرب ولن يدخل الجنة إلا من كان مسلما كما قالت المجتمعات الأخرى. فكل تلك المقولات هي من مقولات الشرك التي حذر منها الإرشاد الإلهي أصحاب الرسالات السابقة.
مفهوم الجاهلية:
الجاهلية التي جاءت في الرسالة المحمدية هي عدم الوعي بوجود كلية قيمية إنسانية للمجتمع العربي بخلاف الوعي المجتمعي السائد والذي يدور حول العرق من القبيلة والعشيرة وكذلك الجهل بالإله الواحد المتعالي، فكان لكل مجتمع إلهه بالإضافة إلى الآلهة الأخرى. فكانت في الجزيرة العربية في ذلك التاريخ عدة أديان من اليهودية إلى المسيحية إلى الديانات المحلية ولكن كل تلك الديانات كانت محكومة بالوعي المجتمعي ولان الإله في ذلك الوعي هو عبارة عن الإله ذو صبغة اجتماعية كما في كل مراحل التاريخ الإنساني، والتي يكون بها الإله يمثل جزء من المنظومة المجتمعية التي تؤدي إلى قصر الإنسانية على المجتمع وقيمه، فالإله في ذلك الوعي يكون مع الذات فقط وضد الآخر.
الإرشاد ومفهوم الشرك:
لم يأتي الإرشاد ليعبر عن قيمة سلوكية محددة ولكن لإيصال المعاني والتي تعبر عن التكامل الإنساني أو الطبيعي ثم إدراك مفهوم الإله المتعالي، فلم تكن الإنسانية لتتساءل إلى الآن هل الإنسان مخير أم مسير لو استوعبت الفرق بين الفعل الإلهي والفعل الإنساني دون الخلط بينهما، فحاجة الإنسان العادي إلى الإله الفاعل لا يجب ان توقف النخب عن استيعاب الإله المتعالي الذي لا يتدخل في الفعل الجزئي في الحياة، فلا توجد مشيئة إلهية داخل الفعل الجزئي لكن يوجد فعل واستيعاب إنساني، فإذا توفر ذلك الاستيعاب الكلي للعلاقة الإنسانية أو العلاقة الإنسانية الطبيعية وتكاملها حسب المجتمع المحدد، يأتي الفعل الإنساني معبرا عن ذلك التكامل ولكن لو عجز ذلك الوعي عن الاستيعاب يظهر عدم التكامل ذلك داخل الحياة الإنسانية، فكل الإنسانية تلجا إلى مفهوم الإله الفاعل ومفاهيم القضاء والقدر في كثير من الأحيان ولكن لم يخلق الإنسان ليتوكل على الإله ليفعل بالإنابة عنه ولكن خلق ليستوعب ويبني فعله على ذلك الاستيعاب ثم يتوكل أو يتمني ان يكون استيعابه وفعله هو الفعل الصحيح الذي يتكامل مع مغزى الحياة الإنسانية.
والذي لم تتوقف الرسالات من تأكيده مرارا وتكرارا هو وحدة الرسالات وان القصور الذي أتي إلى الرسالات جاء من الاستيعاب الإنساني، فالرسالة اليهودية والمسيحية والمحمدية وغيرها من الرسالات كلها رسالة واحدة وكلها رسالة كاملة عندما أتت من الإله لذلك تم نعت كل الرسالات بالإسلامية، ولكن ما يقود إلى القصور هو التدوين النخبوي للاستيعاب المجتمعي باعتباره الرسالة. وكذلك ما حاولت تأكيده تلك الرسالات هو وحدة الإنسانية مع الاختلاف (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13))[8].
ولكن كل ذلك ينتفي عندما يدخل الشرك إلى داخل الرسالة ويحل مكانه الاستيعاب المجتمعي الذي لا يري الآخر إلا كآخر ضد. وما يقود إلى الظلم هو فرض كل ذلك باسم الإله رغم ان الإله يذكر ان رسالته للإرشاد وليس للفرض والإلزام فحتى الرسل لم يكن عليهم الزام مجتمعاتهم بما يؤمنوا به (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99)).


[1] سورة إبراهيم، الآية 30.
[2] سورة المؤمنون الآية 91.
[3] سورة سبأ الآية 27.
[4] سورة الزخرف، الآية 22.
[5] سورة المائدة، الآية 18.
[6] سورة الشعراء، الآية 74.
[7] سورة آل عمران، الآية 59.
[8] سورة الحجرات، الآية 13.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الارشاد في الرسالات الالهية - دراسة للرسالة المحمدية (9) بعنوان الإيمان

الارشاد في الرسالات الالهية - دراسة للرسالة المحمدية (6) بعنوان المصحف العثماني

الارشاد في الرسالات الالهية - دراسة للرسالة المحمدية (5) بعنوان الرسل