الارشاد في الرسالات الالهية - دراسة للرسالة المحمدية (5) بعنوان الرسل
الرسل في
الإرشاد الإلهي:
لإدراك
الاختلاف بين الرسل السابقين والرسول الخاتم وعلاقتهم بالإله والتي كان بها اختلاف
يجب إدراك ظروف تلك الرسل التاريخية، فهنالك فرق بين مرحلة الرسالات السابقة وبين
مرحلة الرسالة المحمدية. ففي الرسالات السابقة كانت المجتمعات بعيدة عن بعضها
البعض فكانت إنسانية الفرد محصورة داخل مجتمعه فقط، وكان أفراد تلك المجتمعات
وتحديدا الضعيفة تعاني دون ان تجد لها منفذا، ولذلك جاري الإله الوعي المجتمعي
لتلك المجتمعات فمنح الرسل بعض القوى حتى يساعد على استمرار الإنسانية ورفع الضرر
عن تلك الفئات الضعيفة ولو مؤقتا (... وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ
يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79))[1]
ــــــ (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ
الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (81) وَمِنَ
الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا
لَهُمْ حَافِظِينَ (82))[2].
فقد كان الله يختار أفضل البشر الذين يظهر عليهم إمكانية استيعاب مجتمعاتهم كما هي
وليس كما يصورها الوعي المجتمعي وتمارس في الحياة، ويمدهم بالإرشاد ليستوعبوا ذلك
الاختلاف ويعملوا على توصيله إلى مجتمعاتهم حتى تتجاوز مرحلة قصور الوعي وتعمل على
إدراك مغزى الحياة الإنسانية. ولم يقف الإرشاد عند ذلك ولكنه كان يعالج بعض
التشوهات التي توجد عند الرسل نتيجة لإنسانتيها ووجودها داخل مجتمع محدد (وَقَتَلْتَ
نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ
فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40))[3].
تصحيح مفهوم
الرسول في الرسالات السابقة:
عملت
الرسالة المحمدية كرسالة تصحيحية على توضيح بشرية الرسل بالنسبة للرسالات السابقة
وتحديدا الرسالة الموسوية والعيسوية، فأوضحت ان مفهوم الوسيط الإلهي أو الإنسان ذو
المقدرات الإلهية أو الإنسان الإله لا وجود له إلا في مخيلة المجتمعات وتدوين
النخب، ولكنه ليس حقيقة ولم يأتي الإرشاد من خلال وسيط الهي ولكن من خلال إنسان
يماثل كل الآخرين من حيث الإنسانية حتى ولو خلق من العدم مثل المسيح عيسي ابن مريم
(وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ
ابْنُ اللَّهِ ... (30))[4]،
(وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ
اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا
يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ
عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ
أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ
أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا
دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ
وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117))[5].
وأشار
لهم الله في الرسالة الخاتمة ان ما تمتعت به الرسل من مقدرات تمثلت في الايات ليست
قيمة ذاتية لأولئك الرسل ولكنها صفات إضافية من الله لأجل المجتمعات، فالرسل هم
بشر فقط(قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ... (11))[6].
الرسول محمد في
الفكر العربي:
قالت
المجتمعات العربية ومن بعدها دون الفكر العربي ان الله قد عصم الرسول من الخطأ فهو
لا يخطئ، وان كل قوله وفعله عبارة عن فعل وقول الهي نتيجة لان فعله وقوله ذلك
عبارة عن وحي من الله، وقالوا ان الرسالة مجملة وقد قام الرسول بتفصيلها، وان الله
قد مده بالآيات وبأنه أكمل الرسل وأفضلهم، وكل ما يشير إلى النقاء الإلهي.
الرسول محمد في
الإرشاد الإلهي:
في
مرحلة الرسالة المحمدية كانت المجتمعات قد وصلت إلى مرحلة تحولات تمكنها من
استيعاب الآخر كآخر إنساني يمكن التعايش معه وان إنسانيتها ليست محصورة بمكان أو
بمجتمع محدد، فليس المجتمع هو المجتمع القبلي او العشائري بل هو المجتمع العربي
اولا ثم المجتمع الإنساني ثانيا، وعلى الإنسانية ان لا ترتبط بالمكان وتهدر إنسانيتها
نتيجة لذلك الارتباط (... قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً
فَتُهَاجِرُوا ....(97)[7])
ــــــــــــ (.... فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ
....(10)[8])
ــــــــــــــــ (.... الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ
الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل
لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (75)[9]).
ولذلك ركزت الرسالة المحمدية على الإرشاد فقط فلم يعد هنالك من داع إلى إمداد
الرسول ببعض القوى حتى تدرك المجتمعات عدم تدخل الله كفاعل في الحياة الإنسانية،
ومن زاوية أخرى ولان الرسالة المحمدية هي رسالة خاتمة للرسالات ولذلك كانت أوضح
الرسالات في عدم تدخل الإله داخل الحياة الإنسانية (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ
مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ...(6)[10])
ـــــــــــــ (وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآَنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي
لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (92)[11])
ـــــــــــــ (قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ ...(65)[12])
ــــــــــــ (أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي
السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا
نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (93) وَمَا
مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا
أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (94)[13]).
ورغم مطالبة مجتمع الرسالة المتكرر للآيات إلا ان الرسالة لم تستلم له ولم تأتي
بأي آية سوى الإرشاد الإلهي (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ
مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآَيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (58)[14]).
ونجد ان المجتمعات العربية قد ضغطت على
الرسول كثيرا من خلال الإلحاح والرجاء ليكون هو الوسيط للإله الفاعل كما في ذهنها،
ولكن لأنها الرسالة الخاتمة فالمفاهيم بها لا تعبر إلا عن معناها اللغوي والمباشر
وتحديدا المفاهيم الكلية، ولذلك كل ما سعت تلك المجتمعات على إسقاط وعيها على
الرسالة ومطالبة الرسول من خلال دفعه للإتيان بآية كان الرد يأتي بان لا آيات (وَإِنْ
كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا
فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ وَلَوْ شَاءَ
اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35)[15])،
لأنهم في الحقيقة لا يبحثون عن الآيات حتى يؤمنوا ولكن يبحثون عن ما يوافق وعيهم
التاريخي عن الإله والرسل، فإذا كانت الآيات هي التي تؤدي إلى إيمان الفرد لآمن
بني إسرائيل (سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آَتَيْنَاهُمْ مِنْ آَيَةٍ بَيِّنَةٍ
وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ
شَدِيدُ الْعِقَابِ (211)[16]).
لذلك رفض الإله ذلك الإلحاح وأكد على بشرية الرسول وانه مجرد رسول حامل لرسالة
وليس مستبطن لها (أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي
السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا
نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (93)[17]).
إذا الرسول محمد لا يختلف عن مجتمعه إلا
في كونه إنسان يستطيع إدراك مجتمعه واستيعابه كما هو وليس كما يقول الوعي
المجتمعي، وتلك هي الصفة التي تم اختياره عليها ليكون رسول للإرشاد (لَقَدْ
جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ
عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128))[18]،
اما مقولات امتلاكه لمقدرات خاصة فهي أتت من المجتمعات واعتقادها بان الرسول يمثل وسيط
الهي ويمتلك جزء من المقدرة الإلهية (مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ
بِآَيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (154)[19]).
وتابعت النخب العربية (الإسلامية) ذلك الاعتقاد وعملت على تدوينه ورجع الناس إلى
مفهوم الوسيط الإلهي وأصبحوا يرون الرسول ليس من خلال الرسالة ولكن من خلال وعيهم
الذاتي الذي تم تحذيرهم منه، فرأينا الرسول الكامل الذي لا يخطئ رغم وجود الإرشاد
(لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ
نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2)[20]).
ان
الاختلاف بين محمد الإنسان ومحمد الرسول هو محاولته الدائمة للتواصل مع الرسالة من
خلال وعيه النخبوي، اما في كل أقواله وأفعاله فهو يمثل مرحلة تحولات تاريخية محددة
ومجتمع محدد، فقد كان يعمل على قراءة الرسالة من خلال مجتمعه ويعمل على قراءة
مجتمعه من خلال الرسالة للتوصل إلى استيعاب كلي، فهو يخطئ ويصيب في الحياة الإنسانية،
اما فيما يخص الإرشاد الإلهي المرسل فلم يكن له إمكانية ان يأتي بشيء من عنده ولم
يدع له الإرشاد تلك الفرصة، فقد حاول الرسول تبني الوعي الاجتماعي لمفهوم الوسيط
الإلهي عندما قال إنابة عن الله ان سيأتي بالإجابة غدا في القصة المشهورة عن الآية
(وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ
اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي
لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (24))[21].
فنجد في تفسير الطبري عن الآية (وهذا تأديب من الله عز ذكره لنبيه صلى الله عليه
وسلم عهد إليه أن لا يجزم على ما يحدث من الأمور أنه كائن لا محالة ، إلا أن يصله
بمشيئة الله ، لأنه لا يكون شيء إلا بمشيئة الله. وإنما قيل له ذلك فيما بلغنا من
أجل أنه وعد سائليه عن المسائل الثلاث اللواتي قد ذكرناها فيما مضى اللواتي ،
إحداهنّ المسألة عن أمر الفتية من أصحاب الكهف أن يجيبهم عنهنّ غد يومهم ، ولم
يستثن ، فاحتبس الوحي عنه فيما قيل من أجل ذلك خمس عشرة ، حتى حزنه إبطاؤه ، ثم
أنزل الله عليه الجواب عنهنّ ، وعرف نبيه سبب احتباس الوحي عنه ، وعلَّمه ما الذي
ينبغي أن يستعمل في عداته وخبره عما يحدث من الأمور التي لم يأته من الله بها
تنزيل ، فقال : (وَلا تَقُولَنَّ) يا محمد لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا )
كما قلت لهؤلاء الذين سألوك عن أمر أصحاب الكهف ، والمسائل التي سألوك عنها ،
سأخبركم عنها غدا( إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ )).
فما ذهب إليه الطبري هو صحيح ولكن فقط فيما يتعلق
بالرسالة وعلاقة الله بالمجتمعات، فكان ذلك الإرشاد حتى يدرك الجميع بما فيهم محمد
ان الرسول ليس الوسيط بين البشر والله. وكذلك عندما سعي إلى كبار القوم وترك
الأعمى بظنه ان ذلك أفيد للرسالة (عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى
(2)). فكان التوضيح بان الرسول لا يحدد من هو الأولى بالرسالة وثانيا عليه إدراك
ان الرسالة لا تفرق بين كبار القوم وصغارهم كما تفرق المجتمعات في وعيها، فكل ذلك
معالجة لتشوهات الوعي عند الرسول والمكتسبة من المجتمعات (وَلَا تَطْرُدِ
الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا
عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ
شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52))[22].
تعليقات
إرسال تعليق