الارشاد في الرسالات الالهية - دراسة للرسالة المحمدية (7) بعنوان العبادات



الإله وقيم الخلاص في الفكر العربي:
ان تدوين النخب العربية للرسالة المحمدية لا يقوم على استيعاب للإرشاد الإلهي، ولكن على ما تقوله المجتمعات العربية عن ذلك الإرشاد، والمجتمعات تنظر للإله كفاعل داخل الحياة وللرسالات كمخلص للإنسانية من أزماتها وبالتالي تنتظر من الإله والرسالات مساهمتها داخل الحياة اليومية، وعلى هذا الأساس قام الفكر العربي الإسلامي. ومن هنا كان اعتماد التدوين على القيم التي جاءت في الرسالات الإرشادية كقيم خلاص إلهية إلى الإنسان، فاعتبرت النخب ان تلك القيم هي لكل الثقافات وعلى مدار التاريخ بالنسبة لكل المجتمعات والأمم. فالإله الفاعل في الذهنية المجتمعية هو الإله المنحاز إلى فئة محددة والذي يمتلك قيم الخلاص لتلك الفئة ومن يشايعها، وقد حور المجتمع العربي الرسالة الإرشادية لتقول ان ما يحدث داخل الواقع الإنساني نتاج للفعل الإلهي.
وتتجسد قيم الخلاص التي قالت بها المجتمعات العربية ودونها الفكر العربي في:
أولا: قيم للإله السيد أو الإله الفاعل التعبدية، وهي قيم توحي بالسيادة حسب الذهنية المجتمعية للإله الفاعل وتتمثل في طقوس تمازج بين الفعل والمعني المراد منه، فالمجتمعات تمازج بين الممارسة السلوكية والمعني أو القيمة المحددة، فيكون التركيز على شكلها السلوكي حتى تأتي بالمعني المراد مثل منفعة أو إزالة ضرر أو غيره (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (12))[1].
والقيم الأخرى التي دونتها النخب العربية باعتبارها قيم إلهية هي القيم التي تحدد علاقة المجتمعات مع بعضها أو قيم المعاملات داخل المجتمع الواحد، وتلك القيم بما انها قيم إلهية عند المجتمعات والنخب العربية، فهي إذا تتجاوز التاريخ لتستمر مع الزمان فهي منذ بداية الرسالة إلى نهاية الحياة ويوجد بها خلاص الإنسانية عند كل قصور للاستيعاب، بالإضافة إلى القيم التي تحدد علاقة الإنسان بالبيئة.
البحث عن القيم الإلهية داخل الرسالة:
لقد ظلت المجتمعات العربية طوال فترة الرسالة المحمدية تبحث عن قيم الخلاص الإنساني الإلهية بل سعت بإلحاح إلى استيعاب الرسالة الإرشادية كرسالة قيمية والإله المتعالي كاله سيد أو اله فاعل، فتلك المجتمعات لا تستوعب الإرشاد ولكنها تبحث عن قيم سلوكية يمكن ممارستها في الحياة. ففي موضوع علاقة الإنسان بالبيئة المحيطة انتظر المجتمع العربي من الإله الفاعل ان يحدد له شكل علاقته بالبيئة المحيطة وليس قيم للإرشاد، فكانت الأسئلة تتواتر من المجتمع إلى الإله (يسألونك)، وكانت الإجابات تأتي بمعهود مجتمع التحولات (المكي) أو نخبه فمثلا (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) فقد كان عرب الجاهلية يقولون بالشهور القمرية إذا كان في التجارة أو الحج ولذلك جاءت الإجابة بمعهود المجتمع المكي، (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ...... (217)[2]) وهذا ما كان يقول به المجتمع الجاهلي. فقد حاول المجتمع العربي ان ينتزع قيم من الرسالة توازي وعيه بالإله الفاعل، ولكن كانت الرسالة ترجع بالمجتمع العربي إلى ما يوجد داخله من قيم ممارسة أو في مخيلته.
وعدم مد الرسالة للمجتمع العربي أو لكل المجتمعات الإنسانية بقيم الخلاص لا يرجع ذلك إلى قصور في الرسالة ولكن لعدم وجود تلك القيم، فالإنسانية في حالة تحولات مستمرة في تعريف الذات الاجتماعية للفرد وتجسيد تلك الذات على المستوى السلوكي ولذلك تختلف القيم والسلوك من مرحلة تحولات إلى أخرى.
الإرشاد المحمدي والقيم العربية:
أفرغت النخب العربية الرسالة الإلهية من معناها الجوهري وهو الإرشاد وحولتها إلى رسالة قيمية تحوى فقط مرحلة تاريخية محددة للمجتمع العربي، مما اقعد النخب التي أتت بعد ذلك عن إمكانية استيعاب حقيقي للإرشاد الإلهي، وتاهت البشرية إلى ان وصلت إلى مرحلة الاقتتال على ابسط الأشياء باسم الله. ويحدث كل ذلك نتيجة لعبادة الناس للفكر العربي وترك الإرشاد الإلهي أو حتى السنن الكونية أو سنن الله في الأرض، فيمكن الوصول إلى مغزى الحياة الإنسانية باستيعاب الإرشاد الإلهي أو بالنظر إلى الكون واستلهام تلك السنن في رؤية كلية.
ولان الرسالات الإلهية هي رسالات إرشادية فقط فهي لم تأتي بقيم سلوكية للإنسانية ولكنها تحدثت عن بعض القيم السلوكية الممارسة في زمن الرسالة، وذلك باستيعاب معانيها داخل الإرشاد الإلهي لمصلحة الإنسانية، باعتبارها أفضل القيم التي تؤدي إلى تكامل المجتمعات في ذلك الزمن. فلم تنزل تلك القيم من السماء كما يدونها الفكر العربي ولا علاقة لتلك القيم بالله، فهي من ابتداع المجتمعات العربية وكان بعضها يوجد في مخيلة الإنسان العربي كقيم فاضلة والبعض الأخر في واقع الإنسان العربي، وبالتالي هي قيم سابقة على الرسالة الإلهية وتم تضمينها داخل الرسالة لسببين: الأول هو ان الإنسان لا يستوعب رسالة خالية من القيم فما ينتظره الإنسان من الله هو ما ينتظره العبد من سيده. ولذلك كان لابد للرسالات حتى تنتقل بالمجتمعات إلى وعي مختلف عن ما هو سائد ان تحتوى على بعض القيم، والثاني هو ان تلك القيم إذا كانت في مخيلة الإنسان العربي أو في الواقع ولم تكن تشمل كل المجتمع العربي رغما على انها أفضل القيم لتلك المجتمعات في ذلك الزمن، وهو ما دفع الرسالة عند تكرار الأسئلة من جانب المجتمعات والبحث عن قيم الخلاص، على الإشارة إلى تلك القيم باعتبارها أفضل القيم المتواجد والتي تعبر عن إنسانية المجتمعات في تلك الفترة.
وإذا كانت الرسالة تحاور مجتمع الرسالة من داخله وتدلهم على أفضل القيم من بين قيمهم الإنسانية، لم تغفل الرسالة من إيراد إشارات لكل المجتمعات الإنسانية وليس للمجتمع العربي فقط لاستيعاب الاختلاف بين الله وبين القيم الإنسانية الواردة في الرسالة.
مفهوم الحلال والحرام:
ان المجتمعات تستوعب الإله كاله فاعل ولذلك عندما جاءت الرسالة المحمدية انتظر المجتمع العربي من الإله ان يقدم له قيم الخلاص الإنسانية، وذلك ليس خطا المجتمعات ولكن خطا النخب التي لم تؤدي دورها المفترض في الاستيعاب والإرشاد. وقد عملت الرسالة الخاتمة على مساعدة المجتمعات العربية لإدراك مفهوم الإنسانية وذلك بالإشارة إلى أفضل القيم الموجودة والتي تدعم ذلك المجتمع، وتوحيد الترميز السلوكي وبالتالي أخذت الرسالة تلك القيم وحولتها إلى الكل المجتمعي من خلال توحيد معني القيم عند كل المجتمعات العربية (السنن التي استنها أولئك الحنفاء نذكر منها على سبيل المثال: تحريم الربا، تحريم شرب الخمر وحد شاربها، تحريم الزنا وحد مرتكبه، قطع يد السارق، تحريم اكل الميتة والدم ولحم الخنزير، الصوم ...)[3].
فقد وصل المجتمع العربي في ذلك الوقت إلى مرحلة التحولات الثقافية ولكن قصور النخب أدي إلى استمرار التميز القبلي والعشائري في التفريق بين المجتمعات على أسس قبلية ولذلك دفعت الرسالة نحو استيعاب المرحلة التي يمر بها المجتمع العربي، فكل القيم التي ادعي الفكر العربي انها آتية من السماء كانت موجودة في الواقع أو في مخيلة المجتمعات باعتبارها من القيم الفاضلة، وعندما جاء الرسالة وبدأت المجتمعات تتساءل عن قيم الخلاص تمت الإشارة إلى تلك القيم مع تنقيتها من علامات الشرك التي كانت توجد بها. وثانياً وضعت إشارات داخل الرسالة للنخب في كيفية استيعاب مفهوم الإنسانية والآخر المختلف والآخر الضد والإله المتعالي. ولكن الوعي المجتمعي وقف عند مرحلة القيم السلوكية التي تعنيه، وكان على النخب ان تسير مع القيم الإرشادية وليس القيم السلوكية ولكن تلك النخب دونت الوعي المجتمعي باعتباره هو الرسالة الإرشادية. وهو ما جعل الرسالة الإرشادية كأنها معبرة عن لحظة تاريخية وليست إرشاد لكل الحياة.
جاءت قيم التحليل والتحريم داخل الرسالة نتيجة لتعامل الرسالة مع مجتمع متحرك توجد لديه تفاعلاته اليومية وأزماته التي ينتظر من الرسالة والرسول حلها، فكان المجتمع يقول بالتحريم الإلهي لأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وكذلك كان يقول الحنفيون بتحريم الزنا والخمر والسرقة كعقيدة ممتدة من إبراهيم الخليل، ومقولة الحنفيون تلك لا تعني ابتكارهم لها ولكن تلك العقيدة كانت توجد في الذهنية العربية وطبقها بعض أفرادها. ولذلك عندما نجد مقولة حرم الله عليكم داخل الإرشاد الإلهي يجب ان ندرك ان هذه الصيغة آتية من المجتمعات وتم استيعابها داخل الإرشاد كما تدركها تلك المجتمعات، فحرم الله عليكم تصبح ما تقولون ان الله حرمها عليكم، فالله لا يحرم أو يحلل ولكن يرشد فقط لصالح الإنسانية. فقد حول فقط القيم التي توجد في بعض المجتمعات والقيم التي توجد في الذهنية العربية كقيم فاضلة حولها الإرشاد من الخيال إلى الواقع بتلك الصيغة وعممها على كل المجتمعات حتى يتوحد الفعل السلوكي مع المعني لدي كل المجتمعات العربية.
الحلال والحرام قيم إلهية مطلقة أم إنسانية؟
قام الفكر العربي على تدوين الرسالة العربية بأنها جاءت تحمل قيم سماوية تمثل الخلاص الإنساني لكل الإنسانية وعلى مدار التاريخ فهل ذلك صحيح؟
ان كل القيم التي جاءت في الرسالة العربية هي من القيم المعروفة للمجتمعات العربية وتحديدا المجتمع المكي قبل الرسالة المحمدية، والاختلاف ان تلك القيم تمثل اعلي مراحل التحولات للمجتمع العربي في ذلك التاريخ فتم استيعابها لتوضح مفهوم الإرشاد الإلهي ومغزى الإنسانية.
سنؤكد علي إنسانية تلك القيم أي ان القيم التي تسمي سماوية وشريعة إلهية وغيره، سنؤكد على إنسانيتها ووجودها في المجتمع العربي قبل الرسالة ثم سنتناول بعد ذلك مغزى الإتيان بها في الرسالة الإرشادية مع التركيز على قيم التحليل والتحريم.
الحلال والحرام في الزواج:
ولنوضح ان الحلال والحرام الإنساني يرتبط بالتحولات الاجتماعية وليس بالمطلق الإلهي فمثلا الآية (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (23)[4])، فهذا التحريم يرتبط بالتحولات الإنسانية وليس بالمطلق الإلهي، فالجميع يعلم من الإرشاد الإلهي ان الحياة بدأت من خلال زواج بين الأخ والأخت التوائم كما في قصة بداية الخلق من أبناء ادم، وفي الدراسات الانثروبولوجية نجد ان التحولات بدأت من خلال الزواج داخل الدم الواحد، ومع التحولات واختلاف الذات الاجتماعية للفرد تحرك التحريم وذلك نسبة لقصور النخب عن رؤية التحولات والتدوين لها فكانت الرسالات الإرشادية بديل للمجتمعات عن النخب حتى لا ترتد المجتمعات إلى مراحل سابقة من التحولات. فالتدوين في تلك الآية ليس المقصود به المجتمع العربي في تلك اللحظة ولكن المقصود تدوين تلك القيمة حتى لا ترتد المجتمعات إلى مراحل سابقة، فتلك القيمة كانت موجودة أي لم يكن هنالك من يتزوج داخل الدم الواحد في المجتمع العربي ولكن التركيز عليها لتتحول إلى قيمة ثابتة لا ترجع التحولات إليها. فحركة المجتمعات مع التحولات تؤدي إلى خروجها من الزواج داخل الدم الواحد ويقودها أيضا إلى اختلاف الذات الاجتماعية والتعريف السلوكي لتلك الذات، فتلك القيمة المحرمة في الحقيقة هي قيمة إنسانية وكانت تمثل قيمة ايجابية في لحظة ما من لحظات التاريخ. فما أوضحته الرسالة المحمدية ليست الدعوة إلى قيم سلوكية محددة ولكن الدعوة لتوحيد الترميز القيمي السلبي والايجابي للكل المجتمعي بغض النظر عن التميز الجيني، وكذلك عدم الارتداد لمراحل متأخرة تاريخيا.
التحريم بين الإنسان والبيئة:
لقد جاءت الرسالة المحمدية لتساعد المجتمعات العربية على معرفة مرحلة التحولات التي تمر بها  وهي من القبلية والعشائرية إلى مرحلة القومية أو الأمة العربية، ولذلك نجد ان القيم التي تم استيعابها داخل الرسالة تمثل القيم افضل القيم لدي الإنسان العربي في ذلك الزمن ولا يوجد تعارض بينها وبين الإرشاد. فجاءت آيات التحريم متضمنة قيم المجتمع العربي في الرسالة المحمدية مع الإرشاد إلى كيفية استيعاب العلاقة مع البيئة فهي علاقة تكامل عضوي وتوازن في نفس الوقت (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173)[5])، فذلك التحريم كان يقول به بعض أفراد المجتمع ويوجد في مخيلة كل المجتمعات العربية كتحريم الهي ما قبل الرسالة. فتم استيعاب ذلك التحريم ولكن مع الإشارة إلى ان ذلك التحريم ليس مطلق فهو تحريم جزئي يرجع إلى علاقة الإنسانية بالبيئة وليس علاقة الإله بالبيئة أو علاقة الإنسانية بالإله فيجب عدم إدخال الإله كفاعل في علاقة الإنسان بالبيئة، وهنالك محرمات أخرى كانت تقول بها المجتمعات ولكنها لا تمثل أفضل القيم ولا تعمل على تكامل المجتمعات فتم توضيح قصورها مثل الآية (وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (138) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (139)[6]).
 وقد كان غرض التحريم الأساسي من جانب الرسالة الإرشادية للمجتمع العربي في ذلك التاريخ هو استيعاب وعيه بالإله الفاعل من اجل الوصول إلى الإله المتعالي، اما بالنسبة للمجتمعات الأخرى فقد جاء الإرشاد في كيفية استيعاب البيئة، فذلك الاستيعاب يرجع إلى الفرد ومجتمعه ومرحلة تحولاته، فعند التحولات يختلف استجابة الأفراد في علاقتهم مع البيئة سلبا أو إيجابا. فكان تنبيه الإنسان إلى التكامل العضوي مع البيئة وكذلك التوازن، فالإنسان يحتاج إلى كل البيئة بنسب محددة دون إسراف بترجيح قيمة على أخرى فذلك يضر الإنسان ولا يضر الإله (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141)[7])، فهذا ضرب من الأمثال على ما يوجد في البيئة العربية وعلى كل مجتمع ان يستعيض عن ما هو في الرسالة بما هو في بيئته الخاصة، فليس غاية الإرشاد توضيح قيمة النخل والزيتون وغيره باعتبارهم أفضل من غيرهم، ولكن ما هو موجود داخل واقع تلك المجتمعات التي أتت بها الرسالة. فمتى ما وجدت المجتمعات ذلك التأثير السالب من جانب البيئة على الإنسان يكون التحريم الإنساني وليس الإلهي، ولم تستوعب النخب إلى الآن ان الإله لا يمنح الإنسانية قيم سلوكية معلبة ولكنه يملكها إرشاد كما جاء في الآية (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)[8]). فالرسالة عبارة عن وصايا وإرشادات وعلى المجتمعات ترجمتها وفق واقعها وليس نقل الواقع إلى داخل الرسالة.
وقد أخذت الرسالة المحمدية المجتمع العربي كمثال للكل المجتمعي كما أخذت في فترات سابقة المجتمع اليهودي وذكرت التحريم الذي قال به اليهود (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (93)[9]) واستمر اليهود إلى الآن في اعتبار ان التحريم الوارد عندهم هو تحريم الهي.
فإذا التحريم الوارد في الرسالة اليهودية أو المسيحية أو العربية هو عبارة عن تحريم إنساني يخضع لفائدة أو ضرر الإنسانية أي يرجع إلى الفرد والمجتمع، فلا يوجد تحريم من بداية الحياة إلى نهايتها، وكل تحريم إذا كان في علاقة الإنسان مع ذاته الاجتماعية أو علاقة الإنسان مع البيئة، هو تحريم إنساني قالت به الإنسانية في مرحلة تحولات ما واستوعبته الرسالات الإرشادية لفائدة الإنسانية. ولا أدل على ذلك من المحاولات التي حاولتها النخب العربية في فترة الرسالة عندما ألحت في إيجاد رأي أحادي عن الخمر ويرجع ذلك إلى خلفيتهم عن الخمر بأنها محرمة كما هو موجود عند الحنفيين وأرادوا رأي مماثل لذلك (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ...... (219)[10]) فجاءت الرسالة بان لا وجود لتحريم الهي ولكنها إرشادات كما في مثال الخمر ولكن المجتمع لا يستوعب مثل تلك المقولات وأصر على الإتيان بقيمة سلوكية وليس إرشاد أي تحديد علاقة الإنسان مع الخمر.
فلا يوجد إدراك من جانب المجتمعات إلى ان الإنسانية في حالة تكامل وتوازن بين الإنسانية مع بعضها البعض وبين الإنسانية والبيئة، فلا يمكن للخمر أو الخنزير مثلا ان تكون ضارة كاملة أو نافعة كاملة، فالإنسان يتكامل مع البيئة في الفعل السلوكي.
فاستخدام حلال وحرام داخل الرسالة جاء وفق معهود العرب والمجتمعات الأخرى التي أخذت تدون قيمها باعتبارها قيم إلهية عندما عجزت النخب عن الاستيعاب والتدوين، فجاءت الرسالات لتساعد على استيعاب الحياة. ولذلك في الرسالة الإلهية الخاتمة إذا تم فقط استيعابها كرسالة إرشادية تجد ان كل القيم والمفاهيم قد أخذت حظها من التنبيه إلى مغزاها الحقيقي، فرغم استيعاب مفهوم الحلال والحرام كمفهوم مجتمعي ولكن جاء الإرشاد بان ذلك التحريم ليس مطلق أي ليس الهي فهو تحريم يرجع إلى الفرد أو المجتمع في تكامله مع الإنسانية أو مع البيئة.
ولا يوجد في الرسالات الإلهية تحريم في علاقة الإنسان بالبيئة ولكن إرشاد نابع من داخل الإنسانية فهي التي تحرم وتحلل على نفسها، فأتي الإرشاد ليدفعها نحو استيعاب تلك المفاهيم فيخرجها من الإطار الكلي أي التحريم الكامل وانتقل بها إلى مرحلة الضرورة التي تلغي ذلك التحريم ثم إلى طعام أهل الكتاب، ثم إحالة الأمر إلى الإنسانية فهي من خلال تعاملها المباشر مع الطبيعة تستطيع ان تدرك ما ينفعها وما يضرها باختلاف التحولات واختلاف الأزمان (قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60)[11]) فكل المجتمعات أدرى ببيئتها وما ينفعها وما يضرها.
هنا يمكن ان يأتي سؤال مباشر: هل الخمر حرام؟ هل أكل الخنزير حرام؟
ونرد أولا باختصار ان أي تحريم في الإرشاد الإلهي هو تحريم اجتماعي أي قالت به المجتمعات أولا وتم استيعابه في الرسالة، وعند كل المجتمعات هنالك محرمات تزيد أو تنقص ولكنها في الأخير هي محرمات اجتماعية. فما ورد في الرسالة المحمدية هو تحريم المجتمعات العربية على نفسها وما ورد في الرسالة اليهودية هو تحريم اليهود على أنفسهم (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(93)[12]). فإذا تدبرنا القران قليلا لأدركنا ان الله لم يحرم إلا ما حرمت العرب على نفسها كما فعلت اليهود، ولم يحرم الإله للتحريم في ذاته، وإلا لما جاء برسالة أخرى لليهود ليزيل عنهم مفهوم التحريم الإلهي (وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ(50)[13]). فإذا ذلك تحريم اجتماعي وليس تحريم الهي، ويأتي الإرشاد الإلهي ليستوعب بعض ذلك التحريم ويسقط بعضه الآخر ويشر إلى التكامل الإنساني الطبيعي الذي يتجاوز مفهوم الحلال والحرام.
وفي المحرمات الاجتماعية أيضا نجد ان المجتمعات هي مصدر التحليل والتحريم ومصدر كل سلوك إنساني وإنما الإرشاد لإزالة قصور الاستيعاب الذي يلم بتلك المجتمعات. والإرشاد لا يحرم ولكن يوصى وينصح (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(151)[14]). فختم الآية بالوصاية لان فعلها لمصلحة الفرد والإنسانية وعدم فعلها يضر الفرد والإنسانية وفعلها أو عدم فعلها لا يضر الله شيئا. فالقتل والسرقة والزنا والكذب والنفاق وغيره من الأفعال توجد في ذهنية كل المجتمعات باعتبارها من الأمراض المجتمعية وتفشيها يعني ان هنالك ازمة داخل هذا المجتمع، أي عندما تتحول القيم الفاضلة إلى مخيلة الإنسانية فقط وتتفشي القيم المرضية السابقة يجب على الجميع مراجعة أفعاله، فممارسة فرد للأفعال المرضية لا يمثل أزمة ذاتية فقط ولكنها أزمة ذاتية ومجتمعية، فالخطأ مشترك بين الفرد والمجتمع.
فإذا لا وجود لتحريم الهي في الخمر أو الخنزير ولكن يوجد لهما تحريم اجتماعي عند المجتمعات العربية، وفي موضوع الخمر نجد انه ثبت ضرره على الفرد عند إدمانه ولذلك إذا أدمنه الفرد يكون قد ضر نفسه والمجتمع الذي حوله وإذا لم يدمنه يكون ذلك أفضل له، اما لحم الخنزير فلا يوجد له ضرر عام كما الخمر ولذلك يرجع تناوله من عدمه إلى الفرد. وأخيرا فالإنسان بناء على تجربته الذاتية مع البيئة يستطيع ان يدرك ما ينفعه وما يضره قبل الفكر ولذلك كل علاقة الإنسان بالبيئة ترجع إلى الفرد أولا، فباختلاف المجتمعات وبيئاتها نجدها تدرك ماذا ينفعها وماذا يضرها.
قيم العبادات العربية:
يدرك الباحث في التاريخ العربي ان المجتمعات العربية أدركت الإله وعبادته قبل الإرشاد الإلهي ولكنها كانت تشرك قيمها ورموزها التاريخية داخل تلك العبادة، فالإله كان حاضرا كقوى فاعلة داخل حياتها الإنسانية، مسير لتلك الحياة ومسيطر عليها فارضا لقيمه وتعاليمه كما نرى في الفكر العربي الذي استمر بعد ذلك كما هو من فترة قبل الرسالة إلى ما بعدها فقط تلون باسم الإسلام. فالإرشاد الإلهي أشار إلى معاني قيم سلوكية ممارسة داخل المجتمعات أو في وعيها الذهني وذلك بإزاحة قصور الاستيعاب الذي تلبس تلك القيم في علاقتها مع الكل الإنساني.
فالحج بكل شعائره التي موجودة الآن هو الحج عند المجتمعات العربية ما قبل الرسالة (وكانوا يقومون بذات المناسك التي يقوم بها المسلمون حتى اليوم: التلبية [مع وجود بعض عبارات فيها شرك بالله تبارك وتعالي] والإحرام وارتداء ملابس الإحرام وسوق الهدى واشعاره والوقوف بعرفة والدفع إلى مزدلفة والتوجه إلى منى لرمى الجمرات ونحر الهدى والطواف حول الكعبة [أيضا] سبعة أشواط [لم تزد أو تنقص في الإسلام] وتقبيل الحجر الأسود [تعظيما له] والسعي بين الصفا والمروة وكانوا أيضا يسمون اليوم الثامن من ذي الحجة [يوم التروية] ويقفون بعرفات في التاسع وتبدا من العاشر أيام منى ورمي الجمار وكانوا [أيضا] يسمونها [أيام التشريق] كما كانوا يعتمرون في غير أشهر الحج[15]). فلم تأتي الرسالة بذلك السلوك ولم تفرض الرسالات شكل سلوكي محدد على الإنسانية لعبادة الله، ولكنها تزيح فقط قصور الاستيعاب الذي تسنه المجتمعات في العبادات أو المعاملات وتقول بأنه من الله، فأزاح الله فقط أشكال الشرك التي كانت توجد في تلك العبادة وترك الباقي كما هو. وقدست العرب قبل الإسلام الكعبة وسمتها ببيت الله الحرام، وجاء الإرشاد بأنها مسجد والمساجد هي أماكن اختارتها الإنسانية لعبادة الله، ويتعالي الله ان يتخذ في الأرض مكانا وله ما في السماء والأرض، فالحج إذا ليس ذهاب إلى الله أو إلى بلد الله وبيت الله ولكنه ذهاب إلى التاريخ، ذهاب إلى ملامسة الفترة الأولى من الرسالة ومحاولة اخذ العظات منها. اما الله فيتعالي على ان يكون له بيت فهو موجود في كل مكان ولكن لا تدركه الأبصار فقط.
فلا ينظر الله إلى شكل العبادة السلوكي ولكن ينظر إلى معناها وعلاقتها بالكل، فالحج اليهودي والحج المسيحي والحج العربي (الإسلامي) عند الله هو حج إذا لم يقترن بشرك أو ظلم، وكذلك كل العبادات والمعاملات ومن ضمنها الصلاة (لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ(40)[16])، فمساواة المسجد مع غيره من تلك الأماكن يرجع إلى المساواة في المعني فهي أماكن لعبادة الله عند الإنسانية ولم تفقد تلك الأماكن قيمتها حتى بعد الإرشاد الإلهي المحمدي كما يدعي علماء العرب.
وقيم الوراثة للذكر مثل حظ الأنثيين نجد لها اثر في المجتمع العربي ما قبل الرسالة وكانت هذه من أفضل القيم في ذلك الزمن، ففي مجتمع يرى الأنثى مصدر العار وانها اقل كثيرا من ان تعامل كانسان، كانت رؤية الأنثى باعتبارها نصف الرجل والتي توجد عند مجتمعات وأفراد قلائل في ذلك الزمن تعتبر أقصى ما يمكن ان توافق عليه كل المجتمعات. فلم تصل المجتمعات إلى الآن إلى استيعاب ان المرأة ليست اقل أو مساوية للرجل ولكن المرأة مختلفة عن الرجل في استيعابها للحياة الإنسانية وممارستها لها. وكذلك قيمة الزكاة كقيمة سلوكية فقد كانت قيمة ممارسة ما قبل الرسالة رغم خلطهم لها بالشرك (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(136)[17])، فتم إبعاد جزئية الشرك. فيجب ان ندرك ان الصلاة والزكاة وكل القيم إذا كانت تعبدية أو قيم مجتمعية في حقيقتها كقيم سلوكية نابعة من داخل المجتمعات وتستفيد منها الإنسانية ولا يصل منها إلى الله شيئا، ولذلك عندما ترتبط قيمة ما مثل الزكاة أو غيرها بالإله يكون ذلك في سبيل الإرشاد لمصلحة الإنسانية فلا يصل منها شيء لله والله غني عن العالمين.
مفهوم الصلاة في الذهن العربي:
إذا أردنا ان ندرك من أين أتي مفهوم الخشوع في شكل الصلاة السلوكي، علينا الرجوع إلى الذهن العربي الذي كان يساوي بين الإله والسيد وبين الإنسان والعبد، فيجب ان يكون وقوف الفرد في الصلاة مماثل لوقوف العبد بين يدي سيده خاضعا ذليلا. فذلك الشكل يرجع إلى المجتمعات وليس إلى الله ويرجع إلى ذلك الوعي وليس إلى الإرشاد الإلهي، فالله يتقبل كل الأشكال السلوكية إذا لم ترتبط بالشرك أو بظلم.
فكل صلاة في الإرشاد الإلهي هي صلاة كاملة ولكن تقبل أو لا، يرجع ذلك إلى وجوب عدم ارتباطها بشرك وتكاملها مع بقية القيم في تحقيق الإنسانية، ولذلك حتى صلاة المشركين قبل الرسالة تم تسميتها صلاة (وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ(35)[18])، فهي صلاة إلى اله لا يدركونه ويصدون الذين يحاولون إدراك الله بتلك الصلاة، فتفسير تلك الآية بناء على الشكل السلوكي بان صلاة قريش كانت عبارة عن تصفير وتصفيق ولذلك لم تقبل هو تفسير أتي من مفهوم الإله السيد وليس من الإرشاد الإلهي، فعدم قبول صلاتهم يرجع إلى بعدها عن مفهوم الإله الواحد المتعالي ومغزى الحياة الإنسانية.
فالممارسات السلوكية وتقسيم الوقت بين عبادة الله وبين الحياة هي من الإنسان وليست من الله، فإذا قبل الله ذلك فيرجع إلى تقبله إلى طبيعة الإنسانية وليس لان ذلك ما يسعي إليه، فيقبل الله كل الممارسات السلوكية من الإنسانية اذا تكاملت مع غيرها من السلوكيات، اما الممارسة السلوكية فلا تأتي من السماء ولكن تنتجها المجتمعات، ولذلك عندما أشكل على الجميع عند تحويل القبلة تم إرشادهم إلى معني الإله المتعالي الذي هو في كل مكان وإنما القبلة هي من ابتداع الإنسانية وكانت مطلب من الرسول تم تلبيته (نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ...(144)[19])، وخدم تغيير القبلة المجتمعات حتى تستوعب ان لا وجود اتجاه للإله عندما غير الإرشاد القبلة من اتجاه المسيحية واليهودية (المسجد الأقصى) إلى اتجاه مكة. والقبلة ليست هي غاية إلهية فالصلاة في الآخر عند الله ليست في شكلها السلوكي أو قبلتها ولكن في معناها وارتباطها بالمعاني الأخرى (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)[20]).
الصلاة بين القيمة الإرشادية والقيمة السلوكية:
ان المتتبع لأمر الصلاة في الرسالة المحمدية يرى الاختلاف واضحا والجدل كثيرا في متى فرضت الصلاة ومتى كانت بدايتها أي متى أنزلت بكل تفاصيلها، ويرجع كل ذلك إلى اعتبار ان الرسالة قيمية أي تأتي بقيم سلوكية ولذلك كان يجب ان يكون هنالك إنزال لقيمة الصلاة السلوكية من السماء، فمتى كان ذلك الإنزال؟ وكيف؟؟ وأين؟، هو ما شغل ذهن النخب التي ابتدعت سؤال ليس هو من ضمن مهمة الإرشاد الإلهي. ولذلك نجدهم قد تاهوا فقال  بعضهم ان الصلاة فرضت في اليوم الأول للبعثة بدلالة صلاة الرسول بخديجة أول أيام البعثة، وقال آخرون انها فرضت في ليلة الإسراء، وهناك من قال انها نزلت بمكة ركعتين ثم تمت بالمدينة فأصبحت في شكلها الحالي.
والمدرك للرسالات الإلهية بانها رسالات إرشادية يدرك بان ذلك كله من اجتهاد النخب العربية نتيجة لتحويلها الرسالة الإرشادية إلى رسالة قيمية، فلا وجود للقيم السلوكية داخل الإرشاد. فالشكل السلوكي للصلاة ولكل العبادات والمعاملات داخل الحياة الإنسانية لم يأتي من الله ولكن جاء من الموروث العربي والإنساني بالإضافة إلى اجتهاد الرسول. فنتيجة لبحث الرسول كثيرا في الأديان قبل الرسالة فقد كان يدرك الطقوس السلوكية في الرسالة اليهودية والمسيحية، وكذلك كان في الذهن العربي معنى وشكل الصلاة الذي يعني التضرع للإله، فحتى المشركين من أهل مكة كانت لديهم صلاتهم ونجد ان قريش كانت تدرك صلاة الميت وتدعوها صلاة وكانت لا تنكر على الرسول صلاة الضحى أي هي صلاة موجودة نوعا ما في الذهن العربي. بالإضافة إلى ان الصلاة كشكل سلوكي كانت موجودة قبل الإسراء، فأخبار التاريخ تروى ان الرسول كان يصلي منذ بداية الرسالة وقد أكد الإرشاد ذلك في آياته الأولى (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى(10)[21])، وكذلك ان الرسول كان يصلي بخديجة وقد توفت قبل الإسراء. (راجع الدراسة الجيدة بعنوان: تاريخ الصلاة في الإسلام – الدكتور جواد على).
فشكل الصلاة السلوكي يرجع إذا إلى مخيلة الإنسان العربي وواقعه واجتهاد الرسول، فمن تلك الثلاثية جاء شكل الصلاة السلوكي ولم يأتي من السماء كما يحاول الفكر العربي ان يقول ما ليس في الإرشاد. ولا أزمة في ذلك بان يكون ذلك الشكل هو صلاة للإله ولكن الأزمة تنبع حين يدعي ذلك الفكر ان ذلك الشكل السلوكي هو منزل من الله أي هو الشكل السلوكي الوحيد المقبول عند الله من البشر وما عداها باطل، فعند هذه النقطة يخرج الفكر العربي من الرسالة إلى الشرك بالرسالة وإدخال قيم إنسانية على الله، وهو ما يسبب قصور ذلك الفكر عن إدراك مغزى الرسالات وإدراك معني الإنسانية.


[1] سورة يونس، الآية 12.
[2] سورة البقرة الاية 217.
[3] الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية، خليل عبد الكريم، ص
[4] سورة النساء الآية 23.
[5] سورة البقرة الآية 173.
[6] سورة الأنعام الآيات 138 – 139.
[7] سورة الأنعام الآية 141.
[8] سورة الأنعام الآيات 151 – 153.
[9] سورة آل عمران الآية 93.
[10] سورة البقرة الآية 219.
[11] سورة البقرة الآية 60.
[12] سورة آل عمران الآية 93.
[13] سورة آل عمران الآية 50.
[14] سورة الأنعام الآية 151.
[15] الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية، خليل عبد الكريم، ص 17.
[16] سورة الحج الآية 40.
[17] سورة الأنعام الآية 136.
[18] سورة الأنفال الآية 35.
[19] سورة البقرة الآية 144.
[20] سورة البقرة الآية 177.
[21] سورة العلق الآيات 9 – 10.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الارشاد في الرسالات الالهية - دراسة للرسالة المحمدية (9) بعنوان الإيمان

الارشاد في الرسالات الالهية - دراسة للرسالة المحمدية (6) بعنوان المصحف العثماني

الارشاد في الرسالات الالهية - دراسة للرسالة المحمدية (5) بعنوان الرسل