الارشاد في الرسالات الالهية - دراسة للرسالة المحمدية (1)
مقدمة:
الرسالات
الإلهية والفكر الإنساني:
ضاع
كثير من الجهد الذي بزلته الرسالات من اجل الإنسانية دون استيعاب كامل، وذلك لإصرار
المجتمعات ومن خلفها النخب على تثبيت الرسالات عند مجتمعها وزمنها التاريخي. فكل
رسالة يتم استيعابها باعتبارها ترفض الأخرى ويرى المجتمع المرسلة له انها فقط
الرسالة الكاملة، وكذلك كل مجتمع رسالة يرفض المجتمعات الأخرى ويرى نفسه فقط هو
الجدير بان يمثل مجتمع الرب أو خير امة أخرجت للناس (وَقَالَتِ الْيَهُودُ
لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ
عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا
يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (113)[1]، (كُنْتُمْ
خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ .... (110))[2].
ولم
تعي البشرية ان كل الرسالات الإرشادية التي أتت من الإله إليها هي رسالات كاملة،
أو حسب التعبير الذي ورد في الرسالة الخاتمة هي رسالات إسلامية إذا كانت الرسالات
القديمة تاريخيا التي جاء ذكرها في الرسالة الخاتمة أو لم تذكر (وَرُسُلًا قَدْ
قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ
وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (164))[3]،
فكل تلك الرسالات هي رسالات إسلامية كاملة من حيث المعني، وتحتوى على مغزى واحد في
دعوتها وهو تعريف الإنسان بنفسه والطبيعة والإله المتعالي، ويرجع الاختلاف بين تلك
الرسالات إلى الاختلاف بين المجتمعات في مفهومها للإنسانية وممارستها لها، وبذلك
تتغير أدوات الرسالة التي تحاول من خلالها توصيل ما تريد إذا تمثلت تلك الأداة في
الرسول المرسل أو اللغة التي تستخدم أو القيم المجتمعية السائدة في زمن الرسالة أو
الأماكن التي تعتبر مقدسة، كل ذلك يتغير في الإرشاد الإلهي ولكن جوهر الرسالة يظل
ثابت وهو إيضاح معني الإنسانية للمجتمعات. ونجد ان القصور في استيعاب الرسالة يرجع
إلى المجتمعات التي تماهي بين معني الرسالة وأدواتها، وان كان ذلك ديدن الوعي
المجتمعي فان الوعي النخبوي كان عليه ان يكون متجاوزا للمجتمعات في إعادة استيعاب
الرسالات داخل معناها فقط وليس داخل المجتمع وقيمه. ذلك القصور الذي نجده استمر مع
التاريخ لكل الرسالات الإلهية حتى اليهودية والمسيحية والعربية (الإسلامية).
الرسالات
الإرشادية والتصحيح:
التصحيح
في الإرشاد الإلهي هو إعادة إرسال الرسالة نتيجة لقصور في استيعاب رسالة سابقة، وتأتي
الرسالات للانتقال بالوعي الإنساني من مرحلة إلى أخرى في تعريفه بمعني الإنسانية،
ولكن تصر المجتمعات على استيعاب الرسالة من داخل واقعها الزمني والتاريخي وبناء
على مفاهيم وأدوات تلك المرحلة، ويؤدي الانحراف بين هدف الرسالة وبين استيعابها من
جانب المجتمعات إلى الظلم باسم الإله (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ
أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ
وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78))[4]،
فيضطر عندها الإله على إرسال رسالة ثانية توضح الاختلاف بين رسالته وبين الاستيعاب
المجتمعي.
وتتابعت
الرسالات الإرشادية لكل مجتمع واحدة بعد الأخرى نتيجة لثنائية اختلاف المجتمعات مع
الزمن وكذلك لإزالة القصور الذي ينتج من استيعاب الرسالة السابقة. فلم يقف الإرشاد
على رسالة واحدة لكل مجتمع ولكن مع محاولة الإرشاد لسد الفراغ النخبوي في استيعاب
الرسالات وفي استيعاب الإنسانية كان يتواصل ويتدفق من اجل تحريك حالة الجمود
الإنساني التي ظللت المجتمعات.
ونتيجة
لانفصال المجتمعات عن بعضها البعض كان التصحيح يأتي لكل مجتمع على حدا، إلى ان
جاءت الرسالة الخاتمة ووجدت المجتمعات أصبحت متقاربة جغرافيا ويوجد بينها تواصل
اجتماعي وتحديدا مجتمعات الرسالات اليهودية والمسيحية بالإضافة إلى الفرس الذين
كانوا يمثلون المجتمعات التي لم تأتي بها رسالات أو اندثرت رسالاتها، ولذلك تعددت
أغراض الرسالة الخاتمة فهي رسالة إرشادية للمجتمع العربي تحاوره من داخله وتحاول
ان تنتقل به إلى وعي مختلف للإنسانية، وهي في أجزاء منها رسالة تصحيحه للرسالات
اليهودية والمسيحية، وفي أجزء أخرى تأتي بإشارات عامة لكل المجتمعات الأخرى التي
لم تأتي بها رسالات أو أتت بها ولكنها اندثرت.
ولذلك سنوضح قصور الاستيعاب في الرسالة اليهودية
والمسيحية من داخل الرسالة المحمدية دون الرجوع إلى مجتمعات تلك الرسالات
وتاريخيها، فالرسالة المحمدية تعتبر في جزئية منها تصحيح لقصور استيعاب مجتمعات
ونخب الرسالات المسيحية واليهودية. وقد ركز الإرشاد الإلهي في الرسالة الخاتمة في
تصحيحه للرسالات السابقة على أكثر الجوانب التي كان بها قصور استيعاب وأثرت على
معني الإنسانية داخل تلك المجتمعات، فأتي التصحيح كإشارات لمكامن الخلل في
الاستيعاب ولم يسعي إلى سرد تاريخي لتلك المجتمعات.
تعليقات
إرسال تعليق