الارشاد في الرسالات الالهية - دراسة للرسالة المحمدية (3) بعنوان الرسالات



الرسالة اليهودية:
استوعب اليهود الرسالة الإرشادية باعتبارها رسالة خلاص إنساني واعتبرت ان القيم الواردة في الرسالة هي قيم سماوية دائمة وفي إتباعها كما هي تتم نجاة المجتمع اليهودي في الحياة الدنيا والآخرة (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا .... (111))[1].
وجاء التصحيح في الرسالة المحمدية لليهود بان الكتاب أو العهد الذي بينهم وبين الله هو إرشاد يحتوى على نور وهدي لمن أراد ان يهتدي (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ ... (91))[2]. وذكرهم بان رغم قولهم بان تلك القيم الواردة في الرسالة هي قيم الإلهية إلا إنهم كانوا يطبقونها كما تهوى أنفسهم (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85)[3]). وتم الإشارة في التصحيح لليهود بان الكثير الذي يكتب باسم الله لا علاقة له بالرسالة الإلهية (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آَبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91))[4]. وكذلك بإتباعهم لما يقول أحبارهم أصبحوا يعبدون الأحبار أكثر من عبادة الله (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ .... (31))[5].
وللتأكيد بان الرسالة إرشادية فقط ولا علاقة لها بالقيم الإنسانية أتاهم الله برسالة إرشادية أخيرة وخاتمة لكل الرسالات اليهودية ومن ضمنها الموسوية تمثلت في المسيحية ويوجد بها نصائح ووصايا فقط للإنسانية ولا يوجد بها قيم كالتي استوعبتها اليهودية، وغيرت في شكل العبادات السلوكي حتى تدرك تلك المجتمعات ونخبها بان الله له فقط بالمعني وليس بالشكل (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (48))[6]. فالتوراة والإنجيل هما شيء واحد كمعني أتي من الله لإرشاد المجتمع اليهودي، ولا تختلف إلا في الشكل والأدوات فقط.
فالرسالات لا تأتي بقيم غير معهودة عند الإنسانية، فهي فقط تعلى من بعض القيم التي تكمل إنسانية الأفراد وتجعل من المجتمعات اليهودية ترى بعضها بعضا كمجتمعات إنسانية، وفي المجتمع الواحد كانت الدعوة للقيم الإنسانية التي تعمل على تكامل كل المجتمع (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84))[7].
الرسالة المسيحية:
تختلف الرسالة المسيحية عن الرسالة اليهودية والعربية لأنها أتت لمجتمع وتم استيعابها داخل مجتمع آخر وهو ما قاد الاختلاف في الشكل والمضمون. فقد أتت الرسالة المسيحية كرسالة تصحيحية للمجتمع اليهودي حتى تتجاوز به كل ذلك الترميز الذي ضمنه للرسالة الموسوية وغيره من الرسالات، والذي قاد إلى ابتعاده عن استيعاب مغزى الحياة الإنسانية، لذلك جاءت خالية من كثير من القيم التي كانت تسمي بقيم الخلاص الإنساني حتى تستوعب المجتمعات اليهودية ان تلك القيم عبارة عن قيم إنسانية يمكن تجاوزها مع اختلاف المجتمعات، وكذلك تغيرت حتى العبادات وشكلها السلوكي حتى لا يتم تقديس الشكل على حساب المعني أو القيمة الداخلية لتلك العبادات وعلاقتها بالكل الإنساني. فتم رفض المسيحية من داخل المجتمع اليهودي واستوعبها المجتمع الغربي الذي كان في حاجة إلى رؤية إلهية تتواءم مع مجتمعه، فمثلت المسيحية الخالية من قيم المجتمعية رسالة تستطيع المجتمعات ان تعيد استيعابها داخل قيمها الذاتية. ولذلك نجد ان قيم التقديس أو الشرك لم تتعدي شخصية المسيح وأمه باعتبارهم وسيط الهي.
فالرسالة المسيحية كانت عبارة عن نصائح إرشادية أكثر من كونها رسالة قيمة ولم تدقق إلا على معاني الممارسة الإنسانية، ولذلك توقف التصحيح الوارد في الرسالة المحمدية عند مفهوم الإله لدي المسيحيين أكثر من مفهوم الرسالة.
الرسالة المحمدية والمجتمع العربي:
ركز المجتمع العربي في استيعابه للرسالة الإلهية على مفهوم رسالة الخلاص، وهي اعتبار ان الرسالة عبارة عن محتوى قيمي للخلاص الإنساني في الحياة الدنيا والآخرة، ولذلك نجد ان أكثر المفاهيم شيوعا في ارتباطها بالرسالة هو مفهوم الشريعة الإسلامية، والتي تعني قيم الخلاص الإلهي المرسلة إلى المجتمعات. وقد عمل العقل العربي جل جهده على موائمة الرسالة للوعي المجتمعي، لذلك نجد مفاهيم الناسخ والمنسوخ وغيره من المصطلحات التي عملت على إعادة تفسير الرسالة بناء على وعي مجتمعي سابق على الرسالة ورفض مفاهيم التأويل أو الاستيعاب للرسالة.
فقالت المجتمعات ومن بعدها التدوين العربي بان الرسالة تحتوى على قيم إلهية إذا كانت قيم تعبدية او قيم اجتماعية، وان تلك القيم مرسلة من الإله إلى الإنسانية. وقامت النخب بتدوين ذلك الاستيعاب الذي يجمع بين الإله الفاعل أو القوى المحركة للكون وبين المجتمعات العربية وقيمها في اللحظة التاريخية المعنية باعتبارها رسالة إرشادية من الإله، واستمرت تلك النخب بعد ذلك تحاول ان توافق القيم المجتمعية التي تأتي مع تغير المجتمعات مع القيم التي قال عنها المجتمع العربي بأنها قيم إلهية، وأنشأت رؤية كلية سمتها بالإسلام أساسها تلك المقولات المجتمعية.
الرسالة بين التفسير أو التأويل والاستيعاب:
مما سبق يتضح لنا ان من يقول بالتفسير يعتمد رؤية الفكر العربي التي صاغها من داخل وعي المجتمعات العربية التاريخي، فعمل على تدوين مفهوم الإله والعلاقات الاجتماعية ورؤية الآخر وفق ذلك الوعي. فتفسير الرسالة الإلهية المحمدية يقوم على رؤية سابقة للرسالة ووعي ممارس سلوكيا عند الإنسان العربي لم تسعي النخب سوى إلى تدوينه فقط في شكل مفاهيم.
فلا وجود لقيم سلوكية تقدمها الرسالات الإلهية ولكنها آيات وإشارات. اما من يتحدث من الجماعات الموجودة اليوم على انه اقرب إلى الله في استيعابه للرسالة أو انه (أكثر إسلامية) هو في الحقيقة يتحدث عن قربه من الرؤية العربية التي قدمتها تلك النخب ولا يتحدث عن الإرشاد الإلهي. فالرسالة في سعيها الحقيقي لا تقربك من الله إلا حين تقربك من الإنسانية لإدراك معني الاختلاف والتكامل الإنساني.
الإرشاد الإلهي في الرسالات:
يختلف الإرشاد الإلهي في الرسالات عن كل النصوص الأخرى نسبة لاختلاف الإله المتعالي عن الإنسانية، فلا توجد لغة إلهية وكذلك ليس هنالك قيم إلهية فالإله يتعالى عن كل ما هو إنساني ولا إنساني، إذا كيف ارشد الإله الإنسانية؟
استخدم الإله الأدوات الإنسانية ووظفها لتوصيل معاني مغايرة لما هو متعارف عليه عند تلك المجتمعات، فإذا المفاهيم والقيم المستخدمة هي أدوات إنسانية (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ .... (4)[8]). اما المعاني فهي مغايرة لما هو موجود، وتلك المعاني تمثل ما يجب ان تكون عليه الإنسانية حتى تستوعب ذاتها ومغزى حياتها، فلا وجود للإله أو لقيم إلهية داخل الإرشاد الإلهي  فالمعاني المغايرة تنتج من الاختلاف في استخدام المفاهيم والقيم داخل الواقع فالرسالة لا تعيد إنتاج الواقع ولا تدعو إلى استحداث واقع جديد وكل ما تفعله هو محاولة إظهار معني الإنسانية إلى الفكر من اجل الوصول إلى حالة الاتزان التي تسعي إليها الإنسانية. وذلك يعني ان كل الرسالات تعاملت مع واقع ماثل أمامها بكل تعقيداته الفكرية والقيمية.
ماهية الإرشاد الإلهي المحمدي:
ماهية الإرشاد الإلهي نعني بها خلاصة ذلك الإرشاد وطريقة الوصول إلى تلك الخلاصة أو الهدف، فالمجتمعات العربية كما غيرها من المجتمعات منذ بدء الإنسانية كانت ترى الإله كاله فاعل وكذلك علاقة الإله بالإنسان كعلاقة السيد بالعبد التاريخية لدي الإنسانية، وان الرسالات عبارة عن تعريف بذلك السيد الذي هو الإله وكذلك أوامره ونواهيه وكل قيم الخلاص.
وهدف الإرشاد الإلهي كما نراه من خلال الرسالة الإرشادية المحمدية وغيرها من الرسالات يتمثل في وعي الإنسان بذاته ومجتمعه وبيئته التي يتكامل معها ثم الوعي بالآخر المختلف والآخر الضد، وأخيرا مفهوم الإله والذي وقفت فيه الرسالة كثيرا نسبة لصعوبة إدراك مفهوم الإله المتعالي فكان القبول بمفهوم الإله الفاعل في حدود ما جاء في الإرشاد دون ان يضيف إليه الوعي المجتمعي أو النخبوي ويزايد عليه مع الإشارة إلى الإله المتعالي.
لقد استخدم الإرشاد الإلهي الأدوات المجتمعية من لغة وقيم وغيرها من اجل معاني مغايرة لما هي عليه عند تلك المجتمعات لحظة الإرشاد، فلا وجود لطريق الهي واحد تتبعه الإنسانية لماذا؟ لان الإنسانية في حالة تحولات مستمرة ولذلك تختلف القيم والمحددات المجتمعية من مرحلة تحولات إلى أخرى وبالتالي اختلفت الرسالات في أدواتها لاختلاف تلك الأدوات ما بين مجتمع أسرى ومجتمع عشائري وقبلي وثقافي، ولكنها اتحدت في المعني أو هدف كل تلك الرسالات في الارتفاع بوعي الإنسانية لإدراك ذاتها.
فما يوجد في الرسالة المحمدية من اللغة إلى كل القيم هي عبارة عن أدوات إنسانية اما الرسالة فتكمن في المعاني التي أرادت ان توصلها، إذا كانت تلك القيم المادية أو الإنسانية التي تبدأ مع المصحف العثماني الذي هو كمادة عبارة عن قيمة إنسانية اما كمعني فهو إرشاد الهي، وحتى في المعني يمكن ان تدرك المجتمعات الإرشاد ويمكن ان لا تدركه، وسنأتي إلى كل ذلك في حينه. ولكن يجب ان نؤكد على نزع التقديس عن كل القيم التي ألحقت بالإله من خلال الفكر العربي فالتقديس للإله فقط لا لقيمة مادية مثل المصحف العثماني ولا لقيمة مكانية مثل مكة وغيرها ولا لإنسان مثل الرسل، فكل تلك الأشياء تم ألحقها قسرا بالإله نتيجة للقصور النخبوي. وسنجد ان كثير من القيم المجتمعية هي قيم سابقة على الرسالة تم إعادة استيعابها من اجل توصيل معاني محددة أو تجريدها من معاني سابقة أوجدت اختلال في التوازن المجتمعي. وباقي القيم أنتجتها المجتمعات أثناء الرسالة فأشارت الرسالة على بعضها، وهنا يجب ان نقف قليلا ونرى:
إلى من أرسلت الرسالة المحمدية:
أرسلت الرسالة المحمدية إلى أصحاب الرسالات السابقة وتحديدا اليهودية والمسيحية واحتوت على تصحيح لتفسير تلك المجتمعات لرسالاتها، فقد أوضحت ان تلك الرسالات كاملة في ذاتها ولا يحتاج الفرد اليهودي او المسيحي للتحول عنها ولكن يحتاج إلى إعادة استيعابها لتساعد المجتمعات في إدراك معني الإنسانية ((وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47)[9]) - (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43)[10]). وقد أشارت الرسالة المحمدية إلى النقاط التي تحتاج إلى إعادة الاستيعاب وكيفية استيعابها.
وأرسلت في اغلبها إلى المجتمع العربي وحاورت استيعابه لمفاهيم الإله والمجتمع والآخر وحاورت أيضا إدراكه للطبيعة، وصاغت من كل ذلك معاني جديدة تستوعب واقع المجتمعات والتكامل بينها.
وجاءت بإشارات عامة إلى كل المجتمعات الأخرى التي لم يكن بها رسالات أو اندثرت رسالاتها وجاءت بإشارات عامة لتوضيح معني الإنسانية والاختلاف الإنساني.
فحاورت كل الرسالات ومن ضمنها الرسالة محمدية الإنسان العادي، فعندما تكون الإنسانية حائرة بين مراحل التحولات نتيجة لعجز المفاهيم السابقة عن تلبية المراحل اللاحقة، عند هذه المرحلة ونتيجة لقصور النخب تأتي الرسالات الإلهية بما كان يجب على النخب ان ترشد به مجتمعاتها. إذا تتعامل الرسالات مع انحراف بين الواقع الإنساني والقيم والمفاهيم المعبرة عنه.
والرسالة المحمدية في اغلبها بالنسبة للإنسان العربي في ذلك الزمن عبارة عن إشارات لإنسان محدد يمارس حياته اليومية وتحاول ان تعالج افتراضات المفاهيم السابقة التي أدت به إلى عدم استيعاب معني الإنسانية، فإذا تفاعلت الرسالة مع هموم مجتمع محدد واحتوت على بعض القيم المجتمعية والتي كانت تعتبر في ذلك الوقت من أكثر القيم التي تدعم التكامل الإنساني وتدفع المجتمعات نحو بعضها البعض، فإذا احتوت على تلك القيم لا يحولها ذلك من رسالة إرشادية إلى قيمية، اما بالنسبة للمجتمعات الأخرى فقد كان الإرشاد يتمثل في إشارات متفرقة داخل الرسالة وعلى تلك المجتمعات استيعاب ذاتها من خلال تلك الآيات والإرشادات.
ولاستيعاب الرسالة يحتاج الفرد إلى عدم الاقتصار على الرسالة فقط ولكن دراسة الرسالة وكذلك الواقع والتاريخ حتى يستطيع ان يكون رؤية كلية (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)[11]) ___ (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (8)[12]) ــــــــــــــ (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)[13]). فتدبر القران أو غيره من الرسالات يتمثل في رؤيته من خلال الحياة ورؤية الحياة من خلاله ففي تلك الحالة يمكن الخروج برؤية كلية تعبر عن حقيقة الإرشاد باعتباره إشارات لما هو موجود في الحياة الإنسانية.
الدين بين الرسالة الإرشادية والقيمية:
لقد عجزت النخب عن مجارات الرسالات الإرشادية في كل المجتمعات ولذلك توارت خلف الوعي المجتمعي الذي يرمز الرسالة الإرشادية (الدين) داخل ذاته وممارساته السلوكية، فأصبح الدين في عرف تلك النخب عبارة عن مجتمع محدد وقيم سلوكية محددة. ونتيجة لقصورها حولت النخب الرسالة من استيعاب الترميز القيمي للمجتمعات داخل الكلية الإرشادية إلى استيعاب تلك الكلية داخل قيم مجتمعية محددة، وأصبحت أدوات الرسالة هي الرسالة، هي الرسول والقيم الاجتماعية والمكان الجغرافي. وتم توصيف الإله باعتباره كائن داخل كل المجتمعات وتوجد له مساحة خاصة للممارسة السلوكية دون استيعاب للتعالي الإلهي.
اما الدين أو الرسالات الإلهية هي تسعى إلى إرشاد المجتمعات لاستيعاب مغزى الإنسانية ومفهوم الإله المتعالي وقد خاطبت تلك الرسالات المجتمعات حسب وعيها الرمزي، وكانت تلك المخاطبة تسعي إلى المجتمعات لتستوعب هي والنخب اختلاف معني الإنسانية بين مرحلة وأخرى، ولذلك دعت الرسالات الإرشادية إلى توحيد الترميز السلوكي لكل أفراد مرحلة تحولات وليس الأحادية السلوكية لكل مراحل التحولات، أي تدعو الرسالات إلى تعريف مفاهيم الصواب والخطأ والقيم السالبة والقيم الفاضلة من داخل المجتمعات وتطبيقها على الكل المجتمعي وان نخرج من دائرة التميز الجيني، فهي لا تقول بان هنالك سلوك واحد هو الصواب أو الخطأ لكل المجتمعات فذلك إدراك قاصر، ولكنها تقول بان لكل مجتمع طريقته في ممارسة الحياة واختلاف في تعريف الصواب والخطأ الإنساني (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48))[14]، فما يجب على المجتمعات إدراكه هو البحث عن الصواب في القيم والممارسات داخل مجتمعاتها والتي تدعو إلى التكامل الإنساني داخل المجتمع الواحد وممارستها، وكذلك الاعتراف بالاختلاف الإنساني بين المجتمعات وان كل تلك المجتمعات رغم اختلافها هي كاملة الإنسانية.
وقد سارت الرسالات الإرشادية مع التحولات الاجتماعية في كل مراحلها التاريخية من عشائرية وقبلية وأهلية وغيره إلى ان وصلت إلى مرحلة المجتمعات الثقافية أو الأمة في الثقافات اليهودية والعربية، وقد تم التركيز على الترميز السلوكي كمعيار للإنسانية داخل الثقافات حتى تتجاوز النخب والمجتمعات الوعي المجتمعي الذي يرتد بها إلى مراحل سابقة للتحولات من خلال الاختلاف في تقييم أفراد المجتمع رغم الاعتراف المجتمعي بالمساواة ولكن يفرض ذلك الوعي التمييز بين الأفراد عند الممارسات السلوكية.


[1] سورة البقرة، الآية 111.
[2] سورة الأنعام، الآية 91.
[3] سورة البقرة، الآيات 84 و85.
[4] سورة الأنعام، الآية 91.
[5] سورة التوبة، الآية 31.
[6] سورة آل عمران، الآية 48.
[7] سورة البقرة، الآيات 83 – 84.
[8] سورة إبراهيم الآية 4.
[9] سورة المائدة، الآية 47.
[10] سورة المائدة، الآية 43.
[11] سورة النساء الآية 82.
[12] سورة الروم الآية 8.
[13] سورة العنكبوت الآية 20.
[14] سورة المائدة، الآية 48.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الارشاد في الرسالات الالهية - دراسة للرسالة المحمدية (9) بعنوان الإيمان

الارشاد في الرسالات الالهية - دراسة للرسالة المحمدية (6) بعنوان المصحف العثماني

الارشاد في الرسالات الالهية - دراسة للرسالة المحمدية (5) بعنوان الرسل