إلى نخب الوسط في عليائها وياسر عرمان وصحبه في المنافي البعيدة


ان التحول القادم نتمني ان يكون تحول نخبوي أي ان تستلم النخب زمام المبادرة وتسير بها وفق وجه محدد، فقد وصلت الثقافة السودانية إلى تقاطعات كثيرة بين مجتمعاتها مما ادي إلى ارتداد الهوية السودانية من الثقافة إلى القبلية وهو ما يعني دوران العجلة إلى الوراء عند عدم استيعاب مجتمع التحولات (مجتمع الوسط) أو نخبه بالاصح لتلك المجتمعات وهو ما يعني ان أي تغيير قادم اذا لم يستصحبه توافق على معايير محددة تتحد في السودانوية فقط بعيدا عن المزايدات الدينية والعرقية قد يقود إلى الفوضي التي لن تستثني احدا مما يزيد من جراح الوطن وتحويل ازمات يمكن ان تحل الان إلى اجيال قادمة فتضاعف من الفواتير دون ان تقدم حلول حقيقية تخدم الاجيال المستقبلية.
وهنالك من يستعجل نظام الفوضي الشاملة باعتباره الحل وهو من اسواء الحلول ويقود إلى الرفض الكامل من قبل المجتمع مما يرجعنا إلى الدايرة الجهنمية مما يعني ان على الاحزاب استباق التغيير القادم بتغيير ذاتي داخلها وتسريع عجلة التحرك في كل الاتجاهات من اجل اعادة صياغة الدساتير والقوانين وذلك بتنقيح الموجود الان (فنتمني ان نتعلم من التجربة الديمقراطية السابقة التي تحدثت عن كنس اثار مايو فكنست كل النظام القائم وهو يقوم على كثير من القوانين التي انتجها المجتمع في تحولاته ولم ينتجه النظام المايوي) فتنقيح القوانين من كل الصيغ الايدولوجية التي تؤدي إلى رفض الاخر من الاقتصاد الاسلامي إلى ديمقراطية الفرد التي لا تستوعب المجتمعات والقبائل ونظمها القائمة. وكذلك الفصل في المزاوجة القائمة بين السلطة والمال فكيف لانسان مرفه ان يحس بمعاناة الشعب وذلك بعيدا عن تبريرات بتوفير جهد رجل الدولة وزمنه للتفرغ إلى انجاز المهام الملقي على عاتقه (فهي اولا ملقي على عاتقه بارادته) وكذلك مهام رجل الدولة لا تنفصل عن رجل الزراعة والصناعة بل هو تابع لتلك المهام فهي مهمة عملية مثل غيرها فيجب ان يصعد رجل الدولة بصعود رجل الزراعة والصناعة ويهبط بهبوطهم حتى لا تكون قيادة الدولة مطمح للرفاهية الغير مبررة وذلك وفق قوانين واضحة حتى لا ياتي إلى قيادة الدولة الا الذين يحسون بمعني قيادة الاخرين ومعاناة الاخرين أو (كما قال الطاهر ساتي فالياتوا لنا بقلوب ذئاب لنتجنب الاحساس والوعي بهموم الوطن).
فالقصور النخبوي أدي إلى ان تكون النخب تابعة للمجتمعات فهي أصبحت غير فاعلة نتيجة لقصور رؤيتها وعدم تطابقها مع الواقع لذلك أصبحت تتبع حركة المجتمع وتحاول ان تعيد تعديل تلك الحركة بما يتوافق مع رؤيتها. فكل ما يتحرك المجتمع بعيدا عن الحكومة في حركات مطلبية في المقام الاول تصيح المعارضة "هجم النمر"، فالتغيير سوف يحدث ان عاجلا أو اجلا ولكن ماذا اعدت الاحزاب لذلك التغيير؟ بعيدا عن الشعارات فالتركة التي سوف يخلفها النظام القائم مثقلة بالديون والحقوق فعليها ان تبدا من الان في دراسة تلك التركة حتى لا تتفاجا بالتغيير القادم دون وجود حلول حقيقية، فمن الحركات المسلحة إلى الحركات المطلبية إلى المشاريع إلى القوانين إلى الدستور وغيرها. فالازمة التي يعايشها الوطن الآن نتاج للقصور الفكري لدي الاحزاب السياسية فهي اوقفت انتاجها الفكري عند الاسلاموية والاشتراكية وعندما طغت الديمقراطية أصبح الكل يتحدث عن ديمقراطية شكلية لا تعبر عن أي هوية. فعلي النخب الصاعدة في حزب الامة ان تتحرك من المهدية الأولي إلى المهدية الثانية فإذا كانت المهدية الأولي اسلاموية فالمهدية الثانية سودانية وعلى الحزب الاتحادي ان يتحرك من الجمهورية الإسلامية إلى الجمهورية السودانية وكذلك الحزب الشيوعي من العدالة الاجتماعية إلى العدل الاجتماعي وبقية الاحزاب التي تنادي بالديمقراطية ان تستوعب تلك الديمقراطية التحولات السودانية فيجب ان ناخذ من الثقافة الغربية الديمقراطية وناخذ من الثقافة العربية الارشاد لذلك سميناها الديمقراطية الاجتماعية، فالمجتمعات في حاجة إلى ارشاد وليس إلى تعليب داخل الرؤي، كما فعلت كل الاحزاب من محاولة فرض رؤيتها عن طريق انقلابات عسكرية.
فعلي قادة الاحزاب التحرك نحو بعضهم البعض ونحو السودان وفق رؤية السودانوية التي تعني الإنسان السوداني والمجتمعات السودانية وتجعل الاحزاب فاعلة على مستوى الوطن ولا تنتظر ان يلفت نظرها لقصور في أي اتجاه من اتجاهات السودان. وكذلك تتطلب المرحلة الحالية للوطن تتطلب تحرك فاعل من قبل قادة الاحزاب نحو نقاط التقاء مع قادة الحركات المسلحة قبل أي تغيير قادم فما اضعف الديمقراطية السابقة عدم وجود ثوابت بين الاحزاب وعدم استصحاب الاحزاب للحركة الشعبية.
فهي اذن امنية نتمني ان تحققها الاحزاب وارجو ان لا تنتظر الاذن من المؤتمر الوطني للالتقاء بالكيانات السودانية فما يمنح الحق للمؤتمر الوطني الالتقاء والاتفاق مع الحركات المسلحة يمنح الاحزاب أيضا ذلك الحق.
وليس هنالك الكثير ليقال لياسر عرمان فحياته تمثل نضال احد النخب السودانية من اجل سيادة الثقافة السودانية والانسان السوداني اتفقنا أو اختلفنا مع الطريق الذي اتخذه والرؤية التي يقدمها لذلك، ولكنه يبقي جسر للتواصل بين مجتمع التحولات (مجتمع الوسط) والمجتمعات السودانية، ولكن يبقي هنالك بعض الاستفادة من التاريخ الذي عايشه ياسر عرمان فما فعلته الحركة الشعبية من اقتناص الفرصة في الديمقراطية الثالثة عند عدم اتفاق الاحزاب على قيم محددة مما افقدها امكانية التحرك الداخلي والخارجي وبالتالي اخل بالتوازن بين الاحزاب والحركة الشعبية التي لم تصبر على الاحزاب للوصول إلى قيم سودانية فاضعفت تحركاتها الديمقراطية الثالثة ولم تستفد الحركة الشعبية ولا الديمقراطية من ذلك الضعف للديمقراطية فمجيء الانقاذ مثل كارثة للجميع، وبدون توصيف قيمي لذلك الفعل من جانب الحركة الشعبية، فإذا كان خطا فهو خطا الجميع من جانب الاحزاب ومن جانب الحركة الشعبية، ولكن التاريخ لا يقيم ولكن يستفاد منه في بناء الحاضر والمستقبل، ولذلك نتمني ان يكون ذلك الدرس قد تم استعابه من جانب ياسر عرمان وصحبه فعدالة قضيتهم لا يمكن ان تحل الا ضمن اطار الدولة الواحدة ولذلك انتهاز الفرصة من جانب احد يخل بالتوازن الكلي ولا يخدم القضية الكلية. فإذا حدث أي تغيير قبل الاتفاق على قيم سودانية محددة بين الاحزاب لا يعني ان ينتزع أي فرد أو أي حركة قضيته ويسير بها بعيدا عن الكل ولكن علينا ان نضغط من اجل الوعي بالسودانوية التي تستوعب كل انسان سوداني وكل مجتمع وكل قبيلة سودانية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الارشاد في الرسالات الالهية - دراسة للرسالة المحمدية (9) بعنوان الإيمان

الارشاد في الرسالات الالهية - دراسة للرسالة المحمدية (6) بعنوان المصحف العثماني

الارشاد في الرسالات الالهية - دراسة للرسالة المحمدية (5) بعنوان الرسل