إبراهيم محمد بلندية اغتيال أم تصفية الحركة الإسلامية السودانية والسقوط الأخلاقي
ظلت الشخصية السودانية تمتاز بالانتماء إلى كل ما هو سوداني بغض النظر عن توجهها الفكري اذا كان إسلامي ام ديمقراطي علماني ام غيره. فكل تلك الأفكار كان المجتمع يعيد إنتاجها لتلبية حاجاته الأساسية ومواصلة حياته وفق قيمه التاريخية التي تواجدت معه دون رفض من جانب النخب السياسية. اما الحركة الإسلامية السودانية ورغم نشأتها قبل الاستقلال ولكنها فصلت ذاتها عن الواقع والمجتمع فقد عرفت الحركة الإسلامية طوال تاريخها بانها حركة صفوية لا تمت إلى المجتمع وذلك لانتمائها الايدولوجي لمركزية الثقافة العربية في الجزيرة العربية نسبة للتماهي بين الإسلام والشخصية العربية في فكر الحركات الإسلامية، فنشأت حالة من الانفصام بينها وبين الواقع والمجتمع السوداني فكان تاريخها هو تاريخ الجزيرة العربية وقيمها هي قيم الجزيرة العربية، فبعد استيلائها على السلطة اخذت تدرس الإنسان السوداني جغرافية وتاريخ الجزيرة العربية (وليته كما هو ولكن يتم تجزئته لتختار النخب الإسلامية ما يتوافق مع رؤيتها فقط) بل حتى العصر الجاهلي والشعر الجاهلي، ويجهل الفرد السوداني ابسط القيم والعادات السودانية بل حتى التركيبة السودانية من قبائل وعشائر وغيره نسبة لعدم وجودها داخل المنهج السوداني (العربي).
وبعد انقلاب الحركة الإسلامية على الحكم
الديمقراطي حاولت بشتي الطرق فرض رؤيتها الاحادية على الواقع السوداني، ورغم
انتباه عراب الحركة الإسلامية حسن الترابي إلى خطل تلك الرؤية وتحلله بالتالي من
كل ذلك التاريخ ومحاولة انتاج فكر يرتكز على الديمقراطية، ولكن ما بقي من الحركة
الإسلامية في السلطة قد واصل في اعادة انتاج القيم السعودية من الزي إلى الممارسات
الاجتماعية وغيره.
ادي ذلك الانقطاع بين الحركة الإسلامية
السودانية والواقع السوداني إلى عدم استيعاب القيم السودانية، تلك القيم التي
حافظت على المجتمع السوداني طوال تاريخية من خلال رؤية الفرد من خلال مجتمعه
وقبيلته وذلك بالفصل بين السلوك وبين الفرد وتتم معالجة ذلك السلوك فقط دون اختزال
للإنسان من خلال قيم (الجودية والانكسر بتصلح). ولكن بعد استلام الحركة الإسلامية
للسلطة في السودان حاولت ان تمرر فكرها الذي لا يمت إلى الواقع بصلة بالقوة على
ذلك المجتمع فأقامت بيوت الاشباح والمحاكم التعسفية والإعدام لأسباب سياسية أو
اقتصادية وغيرها في سبيل تمرير تلك الرؤية، وبالتالي نشات حركة مضادة من المجتمع
لمقابلة قوة الدولة التي ارتكزت عليها الحركة الإسلامية وهي قوة المجتمع، فاصبح
الإنسان يرجع إلى انتمائه المجتمعي والقبلي ليستمد منه القوة في مقابل قوة الدولة
حتى يستطيع ان يحيا وفق قيمه السودانية التي وجدها تاريخيا، فرجعت القبلية تطفو
على السطح بعد ان بدا تبلور الشخصية السودانية. ونسبة للتداخل الكبير في مجتمع
الوسط في السودان وبالتالي نشؤ شبكة من العلاقات تقي الفرد قوة الدولة فقد اتجهت
إلى الاطراف لفرض تلك الرؤية عليها.
ولان رؤية الحركة الإسلامية السودانية في رؤيتها
للإنسان تتمحور سلوكيا داخل انسان الجزيرة العربية وبالتالي فان أي إنسان اخر هو
لا يمت إلى الإنسانية بصلة ابتداء، فقد تجاهلت الحركة الإسلامية في صراعها مع قوى
الهامش أو المجتمعات الطرفية حتى تعاليم الرسالة الإرشادية، والاخر في قوى الهامش
هنا يشمل المسلم وغير المسلم (وما اغتيال د. خليل إبراهيم ببعيد). فكل إنسان لا
يكون داخل التنظيم وبالتالي داخل الرؤية تجسيدا وممارسة أو داخل مجتمع الوسط هو
عبارة عن اخر يمكن ان تمارس عليه كل انواع الممارسات اللا إنسانية من الاغتيال
المعنوي إلى الاغتيال المادي. فلم يشفع الإسلام لابناء الجنوب المسلمين لدي الحركة
الإسلامية السودانية ولم يشفع الإسلام لأبناء دار فور وجنوب كردفان والنيل الأزرق
وغيرها.
فقد استخدمت الحركة الإسلامية السودانية أقذر الأسلحة
وهو سلاح الجوع فمنعت دخول المواد الغذائية إلى الجنوب ومنعت دخول منظمات الإغاثة في
جنوب كردفان والنيل الازرق ولم يرهقها سؤال ما بال الأطفال والعجزة والضعفاء في
تلك المناطق. فإذا كانت لم تسال نفسها الحركة الإسلامية السودانية عن مصير الجنوبيين
الذين قاتلوا الحركة الشعبية مع الجيش السوداني فسلمتهم بدم بارد للذين كانوا
يقاتلونهم فهل ستسال نفسها عن الصغار الذين لا تدري عنهم شيئا، وكان الغدر
والخيانة واخذ البري بالمذنب هي قيم الرسالة الإرشادية.
وبعد اغتيالاتها وتجويعها واستخدامها لسلاح
الطيران الذي لا يفرق بين برئ ومذنب تأتي لتبكي على بلندية. فإذا صحت الرواية
للحركة الإسلامية أو لم تصح ان اغتيال بلندية تم من قبل الحركة الشعبية (فالحركة
الشعبية تنفي ذلك وتقول هو عبارة عن تصفية من داخل التنظيم لا غير) فحتى اذا صحت
تلك الرواية فكيف تلوم الحركة الإسلامية وتنهي عن أفعال هي من بدأت بممارستها داخل
الواقع السوداني الذي لم يعرف الاغتيالات في يوم ما. فنقولها لأبناء الهامش
ونكررها بان تنظيم الحركة الإسلامية لا يعترف بإنسانية أبناء الهامش إلا إذا ظلوا
داخل التنظيم ويخدمون أجندته فقط ويطبقون على أسرهم العادات والتقاليد التي تتم في
الجزيرة العربية، فلا يعرف تنظيم الحركة الإسلامية اختلاف الرأي فالخروج عن
التنظيم يعني الخروج عن الحياة من أوسع أبوابه. فالتعازي لأسرة إبراهيم محمد
بلندية والتعازي مرة أخرى لأسرة خليل إبراهيم.
تعليقات
إرسال تعليق